داء الأمم

صالح بن ناصر المحروقي
منذ أن تفرّقت القلوب وغابت المودّة عن وجوه الناس، أخذت الأرواح تشيخ قبل الأجساد، وتيبّست المشاعر في صدورٍ أرهقها التنافس والشكّ، وانطفأ فيها وهج الإخلاص، فلم يعد الناس يأنسون ببعضهم كما كانوا، ولا يفرحون لفرح قريب، ولا يأسفون لحزن صديق، كما لو كانوا في سباقٍ محتدم جُرّد من قيم المودة والرحمة.
وقد ورد في الحديث الشريف قوله ﷺ: “سيصيب أمّتي داءُ الأمم”، فقيل: وما داءُ الأمم يا رسول الله؟ قال: “الأشرُ والبطرُ والتكاثرُ والتناجشُ في الدنيا، والتباغضُ والتحاسدُ حتى يكونَ البغيُ”، رواه الحاكم في المستدرك وقال حديث حسن الإسناد، وإن لم يرد في الصحيحين فمعناه ثابت تشهد له أحاديث كثيرة، منها قوله ﷺ: “لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عبادَ الله إخواناً”.
وما كان هذا التحذير النبويّ إلاّ بصيرةً نافذة من نبيٍّ عرف ما يُفسد القلوب ويمزّق الأمم، فقد كان ﷺ يقرأ بعين النور ما سيقع في أمته من علل الأمم السابقة، ويعلم أن الخطر الأكبر لا يأتي من الخارج بل من الداخل، من النفوس التي تتناحر وتتحاسد وتتدابر، فتُهزم وهي تظنّ أنها واقفة، واليوم لا نكاد نرى علّةً إلا وقد تفشّت فينا كما وصفها الحديث.
إنّ الأمم لا تهلك حين تضعف أسلحتها، بل حين تضعف قلوبها، فإذا دبّت البغضاء في الناس تقطّعت أوصالهم وإن كانت أجسادهم متقاربة، فما من عدوٍّ يغلب أمةً متماسكة، غير أنّ الحسد والتنازع يفتحان أبواب الهزيمة من داخلها.
وليس هذا الداء وليد صدفة، بل ثمرة دنيا غلبت على العقول، فغدا المال ميزان الكرامة، والمظهر معيار القيمة، وأصبح الناس يزدحمون على الأضواء وينصرفون عن البذل، ويطلبون النظر قبل الأثر، ويعيشون في ضجيج المقارنات إلى أن ضاع صوت الضمير.
وأعجب ما في هذا الداء أنه استبدَّ بقومٍ أُنزل عليهم كتاب الرحمة، وأُمروا بالإخاء والتكافل، وجُعلت عباداتهم سلّماً إلى المحبّة، فكيف يكثر الناس من صلاتهم وصيامهم ثم لا يزدادون مودةً ولا صفاءً، وكيف يعلو صوت الدين وتخفت أصوات القلوب المتحابة، إنّ في هذا خللاً عميقاً في معنى التدين، فعبادة لا تُثمر خلقاً كزرعٍ بلا ماء، وورعٌ لا يورِث رحمةً لا يزيد صاحبه إلا كبرياءً في ثوب الزهد.
وإنّ أخطر ما في هذا الداء أنه يفسد الروح قبل أن يفسد العلاقات، فإذا فسد القلب انطفأ النور من الوجه وغابت البركة من الحياة، والحسد نار خفيّة تأكل صاحبها قبل أن تمسّ غيره، تُتعب فكرَه وتسرق طمأنينتَه، حتى يغدو قلبه أرضاً يابسة لا تنبت حبّاً ولا صفاء.
وزادت البلاء سوءاً أدواتُ هذا الداء، إذ صارت أقرب إلى الناس من أنفاسهم، فبضغطةٍ على شاشةٍ يُقاس الغنى وتُقارن البيوت وتُحصى النعم، وأصبح الناس يراقبون بعضهم أكثر مما يراقبون أنفسهم، وتحولت المقارنة إلى طقسٍ يوميٍّ يُذكي الحسد ويغذّي الحقد، ويجعل الفرح جريمةً تُخفى كما يُخفى الذنب.
ومع ذلك فإنّ للقلوب باباً مفتوحاً إلى الشفاء ما دامت تعرف طريق الرجوع إلى الله تعالى، فإذا نزلت الرحمة في القلب أنبتت فيه الإخلاص، وإذا صفَت النية عاد الإنسان إلى قدره عند ربّه وعند الناس، ولو صفَت النوايا لزالت الأحقاد، ولعادت العلاقات كما أرادها الله تعالى، مبنيةً على الأخوّة لا على الغلبة.
فابدأ بنفسك وداوِ قلبك قبل أن يمرض المجتمع كلّه بك، وانظر إلى ما في قلبك من رضا قبل أن تنظر إلى ما في أيدي الناس، فالحسد لا يملؤه إلا القناعة، ولا يطفئه إلا الإيمان، وإن عجزت عن حبّ الناس جميعاً فلا تبغض أحداً منهم، فذلك أضعف الإيمان.



