هل يمكن لنكتة عابرة أن تتحول إلى سلوك جماعي؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده
نضحك اليوم… ونبرر الغياب غدا
علي بن مبارك بن خلفان اليعربي
لم يبدأ غياب بعض الطلاب في أول يوم من رمضان من بوابة المدرسة.
بل بدأ قبل ذلك في الشارع.
في المجالس، وفي الأحاديث العابرة، سبقت السخرية الحدث ومهدت له نفسيا وتربويا.
قيل مازحين: “خميس أول رمضان إجازة”.
“الخميس الثاني عيد المعلم”.
“الثالثة إجازة القرنقشوه”.
ضحكنا… ومضينا.
لكن ماذا التقط أبناؤنا من كل ذلك؟
التقطوا رسالة مفادها أن الأمر ليس جادا، وأن الحضور في هذه الأيام قابل للتخفيف، وأن الغياب متوقع سلفا.
الطالب لا يقرأ المزاح بوصفه ترفا لغويا.
هو يقرأه بوصفه مؤشرا اجتماعيا.
وحين تتكرر الإشارة، تتحول إلى قناعة.
وحين تترسخ القناعة، تتحول إلى قرار.
لم نأمر أبناءنا بالغياب.
لكننا خففنا من قيمة الحضور.
لم نقل لهم صراحة: لا تذهبوا.
لكننا صنعنا مناخا نفسيا يجعل الغياب خيارا مريحا وغير مستنكر.
وهنا تتجلى الحقيقة التي قد لا ننتبه لها:
*السخرية حين تمس القيم لا تبقى ضحكا ، بل تتحول إلى سلوك.*
القضية ليست في يوم دراسي ضائع، بل في المعنى الذي يُبنى في الأذهان.
حين نربط المواسم الدينية والاجتماعية بالتخفف من المسؤولية، فإننا نعيد تعريف الالتزام تعريفا هشا: التزام عند الراحة، وتراجع عند أول ظرف.
رمضان ليس شهر تعطيل.
هو شهر تدريب على الانضباط.
الصيام ليس انسحابا من الواجب، بل اختبار للقدرة على أدائه رغم المشقة.
فإذا قدمناه للأبناء بوصفه ظرفا مبررا للتراخي، فقد شوهنا معناه التربوي قبل أن نناقش نتائجه السلوكية.
الأخطر من الغياب هو التعامل معه بسخرية لاحقة.
كل صورة تُنشر، وكل تعليق ساخر، يمنح الغياب شرعية إضافية.
وهكذا تتضاعف المشكلة:
غياب يتكرر، ومعنى يتآكل.
لسنا بحاجة إلى تضخيم المشهد.
لكننا بحاجة إلى مراجعة خطابنا اليومي.
الكلمات التي نقولها ضاحكين في المجالس، قد تتحول في أذهان أبنائنا إلى قرارات عملية في الصباح.
فهل نكتفي بالضحك،أم نعيد ضبط الرسالة؟
نضحك اليوم ،ثم نتساءل غدا لماذا غابوا.



