الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

التعفّن الدماغي

د. سعود ساطي السويهري

انتشر مؤخرًا مفهوم “التعفّن الدماغي”، وكان مصطلح العام لعام 2024م وفقًا لجامعة أكسفورد. والحقيقة أنه كما ينمو التعفّن على الأشياء، فإن الدماغ أيضًا قد يناله شيء منه، فتصبح الأفكار أقل جودة، وتتراجع العديد من العمليات المعرفية، وفي مقدمتها التفكير والتركيز والانتباه واليقظة.

والتعفّن الدماغي مفهوم غير طبي، وهو حالة من الخمول أو التدهور في القدرات العقلية تُعزى إلى نمط غير صحي من الاستخدام المفرط للحياة الإلكترونية، والمحتويات التافهة وغير المفيدة، والانجراف وراءها بشكل لا إرادي، مما يُغيّب العقول ويستنزفها. وله تأثيرات سلبية على الجانبين العقلي والنفسي، وهو وليد الحياة الافتراضية التي تلقي بظلالها على المراكز العصبية في الدماغ، فتُحدث استثارة زائدة، واستنزافًا عصبيًا ونفسيًا، وقلة نوم، وانغماسًا زمنيًا ومكانيًا خارج نطاق الواقع.

وفي رحلة قصيرة داخل عالم التعفّن الدماغي سنرى كيف يسرق هذا المفهوم العقل والروح. فعند الاستخدام المفرط للتكنولوجيا يصبح العقل في سجن، ويزداد تعطّله، ويصبح الدماغ أكثر تركيزًا على المحتوى السطحي والمشتت، وأقل قدرة على الانتباه للمحيط، مع انخفاض في الإبداع؛ مما يُسهم في الإرهاق العقلي، وضعف الذاكرة، وزيادة القلق والضيق النفسي، والتعلق المضطرب بالآلة ومحتواها. وهنا تبدو الصورة وكأنها تدفق في إطار سلبي مُنهِك للدماغ، ونسيان للذات في ظلمات الإدمان الرقمي، الذي ينشر بكتيريا وفطريات نفسية سامة تُضعف القدرات العقلية، نظرًا لما يخلّفه الاستخدام المفرط للمحتوى الرقمي من ألعاب وتطبيقات لا تحفّز الدماغ بشكل إيجابي.

أما تأثيرات التعفّن الدماغي فهي كثيرة ومتعددة، ومنها التدهور في القدرات الدماغية، والتأثير على الجوانب المعرفية والأكاديمية والمهنية والاجتماعية والإنتاجية، إضافة إلى التأثيرات الجسدية، ليس فقط من ناحية الإنتاج والعمل، وإنما أيضًا عبر زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسمنة وغيرها من أمراض نمط الحياة غير الصحي.

ولمواجهة هذه المشكلة، ينبغي اتباع مجموعة من الاستراتيجيات للكبار والصغار على حد سواء؛ فالتكنولوجيا تؤثر في الجميع بلا استثناء. ومن هذه الاستراتيجيات:
• الوعي بحقيقة التعفّن الدماغي والانتباه لتأثيراته السلبية.
• التقليل من استخدام الشاشات، وترشيدها بشكل مناسب، مع اعتماد أنشطة بديلة غير رقمية.
• اتباع نظام يعزز مناعة العقل من خلال القراءة وتعلم مهارات جديدة كبدائل إيجابية.
• إدارة الوقت باحتراف، وتنظيم المهام، والحصول على نوم كافٍ يعيد تنشيط الدماغ.
• الاندماج الاجتماعي والمشاركة في الأنشطة المختلفة.
• اتباع نمط حياة صحي يشمل الطعام المتوازن والنشاط البدني.
• ممارسة الاسترخاء والتأمل والخروج إلى الطبيعة ومزاولة الهوايات.
• ممارسة نشاط ذهني إيجابي مثل حل الألغاز.
• وفي الحالات الشديدة يُفضَّل اللجوء إلى المختصين؛ كأخصائي الأعصاب لمن يعاني من أعراض عصبية، وأخصائي التغذية لضبط النظام الغذائي الداعم لصحة الدماغ، والأخصائي النفسي لتعزيز القدرة على مواجهة الإدمان الرقمي وفهم الذات.

وأخيرًا، يجب التذكير بأن صحة الدماغ ليست مجالًا للتهاون؛ فهو القائد لبقية الأعضاء، وأي خلل فيه يؤثر على ما سواه. لذا فإن إيقاف التعفّن الدماغي، وتعزيز الإنتاجية، ووضع حدود للإفراط الرقمي، ضرورة ملحّة، وخصوصًا لدى الصغار.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights