الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

لا تنسَ النِعم التي كنت تتمناها يومًا

صالح بن سعيد الحمداني

في زحام الحياة وتسارع أحداثها قد نغفل عن لحظة تأمل واحدة ننظر فيها خلفنا لندرك أن كثيراً مما نملكه اليوم كان يوماً حلماً بعيداً، دعونا الله فيه بإلحاح وبكينا من أجله شوقاً وسهرنا الليالي نحلم به ونتمنى تحقيقه، واليوم وقد تحقق نسيناه، كم هو مؤلم أن تتحول النعمة إلى عادة وأن يصبح الفضل مألوفاً فيغيب الحمد ويخبو الشكر.

في يومٍ من الأيام كنت ترفع يديك إلى السماء ترجوه عملاً أو بيتاً أو زوجاً صالحاً، أو طفلاً أو شهادة علمية أو حتى صحةً وعافية، كنت تبكي بحرقة وتقول “يا رب لا تحرمني”، واليوم وقد استجاب الله ومنحك ما طلبت هل تذكرت أن تحمده؟ هل ما زلت تعبده بنفس الخشوع؟ هل ما زال قلبك ينبض بشكرٍ صادق؟ أم أن النعمة أصبحت جزءاً من روتينك اليومي لا تلتفت إليها ولا تتفكر فيها؟

ليس الأمر متعلقاً بالناكرين للجميل فقط بل بنا جميعاً حين نغفل، حين ننسى أن الشكر هو مفتاح دوام النعمة، وأن الغفلة قد تكون أول خطوة نحو زوالها، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: “لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ” [إبراهيم: 7]، فوعدٌ إلهي لا يتخلف أن الشكر سبيل الزيادة والغفلة سبيل النقصان.

إن الحمد لا يكون فقط باللسان بل بالقلب والجوارح أن تحمد الله يعني أن تعترف بنعمته أن ترى يده في تفاصيل حياتك أن تدرك أن كل ما تملكه لم يكن بحولك ولا قوتك بل بفضله ورحمته، أن تعبده شكراً وتصون ما أعطاك وتحسن إلى غيرك مما وهبك.

ربما الآن تقود سيارتك التي كنت تحلم بها أو تسكن بيتاً كنت تراه في خيالك البعيد أو تنام مطمئن البال بعد سنوات من القلق أو تحمل في يدك شهادة اجتهدت من أجلها سنين، تذكر جيداً أن هذه النعم كانت دعوات ذات يوم لا تمر عليها مرور الكرام توقف، قل من قلبك “الحمد لله”.

وقد يكون من نعم الله عليك أشياء لم تطلبها أصلاً، عافيتك وأهلك، أمانك، قدرتك على الحركة وعلى التفكير وعلى الكلام، كل تلك الأمور التي نظنها “عادية” هي بالنسبة لغيرنا أمنيات عظيمة فمن الناس من يتمنى فقط أن يأكل بلا ألم أو ينام بغير أرق أو يمشي على قدمه دون عكاز.

إن أعظم مظاهر الشكر أن تظل على صلة بربك لا تعبده فقط وقت الحاجة بل تحمده بعد الإجابة وتعبده حين الراحة كما عبدته في الشدة، أن تتذكر أن العبادة ليست عبوراً مؤقتاً في نفق الأزمات بل سلوك دائم في طريق الحياة.

وكم هو جميل أن تراجع أمنياتك القديمة أن تقرأ دعواتك القديمة المكتوبة في دفتر أو في ملاحظات هاتفك وتستعرض كم من تلك الأمنيات تحقق وكم منها تحوّل إلى واقع، ستدرك حينها كم أن الله كريم وكم أن الشكر واجب عليك.

وفي النهاية اجعل لنفسك عادة أن تبدأ يومك وتختمه بكلمة “الحمد لله” وأن ترددها بينك وبين نفسك حين تنظر في وجه من تحب أو حين تمشي في شوارع مدينتك أو حين تستيقظ على سريرك، فكل نعمة تستحق الشكر وكل شكر يستحق أن يُقال بصدق.

ولا تنسَ وتذكر أنك في يوم من الأيام كنت تدعو الله في أشياء تمتلكها الآن فلا تنسَ أن تحمده وتشكره وتعبده بها.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights