مقالات صحفية

سلطنة عُمان: حكمة الصمت وصناعة السلام

محمد بن علي بن سالم الشعيلي

في منطقة تموج بالاضطرابات، وتتضارب فيها الأحداث السياسية والعسكرية والاقتصادية، وتتصارع فوق رمالها القوى الإقليمية والدولية، تبرز سلطنة عُمان واحةً من الهدوء والاستقرار. وفي الوقت الذي يملأ فيه ضجيج الأزمات أرجاء العالم عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، تواصل سلطنة عُمان نهجها التاريخي القائم على “حكمة الصمت” والدبلوماسية الهادئة، مكرسةً مكانتها لاعباً لا غنى عنه في هندسة الاستقرار الإقليمي.
تتوسط سلطنة عُمان واحدة من أكثر مناطق العالم حساسيةً من الناحية الجيوسياسية، حيث تشرف على مضيق هرمز، الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي. إلا أن هذا الموقع الاستراتيجي لم يكن يوماً مصدراً للقلق العُماني، بل حوّلته السلطنة، بحكمة قيادتها، إلى جسر للتواصل بين الشرق والغرب، وبين مختلف الأطراف المتنازعة.
إن يد السلام التي تمدها عُمان للجميع ليست ناتجة عن ضعف أو انكفاء، بل هي عقيدة سياسية راسخة ونهج ثابت، تتواصل مسيرته اليوم برؤية متجددة يقودها السلطان هيثم بن طارق، حفظه الله. وتقوم هذه العقيدة على مبادئ واضحة، أبرزها:
عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
احترام سيادة الدول واستقلالها.
تغليب لغة الحوار بوصفها السبيل الأمثل لحل النزاعات.
“صفر أعداء”.. معادلة النجاح العُماني
في عالم السياسة المعاصر، يبدو من الصعب أن توجد دولة بلا خصوم أو أعداء، لكن عُمان نجحت في كسر هذه القاعدة. فقد استطاعت الدبلوماسية العُمانية بناء شبكة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف؛ فهي الصديق الموثوق لدول الخليج والعالم العربي، وفي الوقت ذاته الشريك الذي يحظى باحترام القوى الغربية، والوسيط المقبول لدى طهران وسائر الأطراف الإقليمية.
هذا التوازن جعل من سلطنة عُمان محطةً موثوقة لحل أعقد الملفات الدولية، بدءاً من المباحثات المرتبطة بالاتفاق النووي، مروراً بعمليات تبادل الأسرى، ووصولاً إلى جهود إنهاء النزاعات والحروب في المنطقة.
ضجيج عُمان فعلٌ لا قول
في الوقت الذي تسعى فيه بعض المنصات الإعلامية إلى صناعة الصراعات الكلامية، وتحاول بعض الأطراف جرّ السلطنة إلى مربع الاستقطاب والضجيج، تتكسر تلك المحاولات أمام جدار الرصانة العُمانية. فعُمان لا تتحدث كثيراً، لكنها تنجز الكثير خلف الكواليس.
ولم يكن طريق “الحياد الإيجابي” مفروشاً بالورود؛ فقد واجهت السلطنة في محطات تاريخية مختلفة ضغوطاً ومحاولات للتأثير على مواقفها أو تغيير بوصلتها السياسية. إلا أن الثبات العُماني أثبت أن السلام لدى القيادة والشعب ليس مجرد شعار سياسي عابر، بل هوية وطنية وثقافة مجتمعية متجذرة في وجدان الإنسان العُماني، الذي عُرف بالتسامح، والحكمة، والابتعاد عن المهاترات.
إن التاريخ يثبت يوماً بعد يوم أن “البلد الذي لا يُسمع له ضجيج” قد يكون صاحب الصوت الأكثر حكمة وتأثيراً عندما تعجز لغة السلاح. وستبقى سلطنة عُمان نموذجاً استثنائياً في العلاقات الدولية، يبرهن أن القوة الحقيقية للدول لا تُقاس بعلو الصوت أو كثرة الخصوم، بل بقدرتها على إرساء السلام، وحقن الدماء، وبناء جسور الثقة في عالم أحوج ما يكون إلى الحكمة.
ففي زمن ترتفع فيه الأصوات وتضيع فيه الحقائق بين ضجيج المصالح، تظل عُمان تؤمن أن الحكمة لا تحتاج إلى صخب، وأن أعظم الأدوار هي تلك التي تُنجز في صمت، وتترك أثرها في أمن الشعوب واستقرار الأوطان.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights