مقالات صحفية

في رثاء العم خميس..

أماني بنت سعيد المقبالي

بعد أحد أشدِّ مُنعطفاتِ الحياة ألمًا، مُنعطفِ الفقد، أجدني هنا أتوقّف متعبةً، باكيةً، مُثقلةً بما لا يُطاق من جديد، أحاول الصمود والاتكاء على جدار ذكرياتٍ ثابت في عقلي، أستعيد به ملامح رجلٍ كان للحضور هيبة، وللقلوب مأمنًا، تضادٌّ عجيب قلّما تجده في شخصية أحدهم.

فإن لم أكن ابنته بالدم، لكنني أمٌّ لمن يحملون دمه، وابنةٌ له بما منحه من احتواءٍ صامت، وحبٍّ بعيد، واحترامٍ مهيب، وبما تركه من أثرٍ أبويٍّ في نفسي، لا سيما بعد فقدي لأبي؛ لذلك أجد أن لحروفي أحقيةً في رثائه.

أعود بكم إلى جملة: (رجلٌ كان للحضور هيبة).

فهذه الحروف تعود بي لما يقارب خمسة عشر عامًا، حيث اللقاء الأول بالعم خميس، حين أتى قاطعًا المسافات من منح إلى صحار، ملبّيًا دعوة والدي ـ رحمه الله ـ على وجبة الغداء. أذكر أنني كنت في أشد حالات ارتباكي لكثرة ما سمعت عن شموخ هذا الرجل. لم يكتفِ أبي بمرافقتي إلى المجلس، بل أمسك بيدي وسألني مباشرة: كيف بتسلمي على عمك؟ أدركت حينها أن مصافحةً عابرة باليد لم تكن لترضي أبي، فقطع صمتي واستغرابي بأمرٍ وتوجيهٍ مباشرين: قبّليه على الرأس.

فأجبته بأنني أخجل وأشعر بالحياء، لا سيما وسط المرافقين له، فردّ والدي بلغتنا العامية الصارمة:
(ريال ثقيل، حَبّيه على الراس).

لم يسعفني عمري ولا حصيلتي الاجتماعية آنذاك لفهم أيّ ثقلٍ يعني أبي، إلى أن وطأت قدمي أرض منح، وفي صباحي الأول، ووسط أهازيج الفرح والأصوات الصاخبة للموسيقى، يأتي صوتٌ من الخلف له دويٌّ شديد: “أخفضوا الأصوات”. ذلك الصوت الذي أجلس الجميع، كلٌّ في مكانه، ودبّ السكون في أرجاء المكان فور انطلاقه، دون أدنى محاولةٍ للاعتراض من أيِّ كائنٍ كان من الحضور. حينها علمت أيَّ ثقلٍ كان يعني أبي، وعلمت بأنني في منزل رجلٍ شامخ حقًّا، له احترامه، ولكلمته قوة، ناهيكم عن صمته الذي له حضورٌ من نوعٍ آخر.

حينها عزمت على تنفيذ وصية والدي، وحرصت على تقبيل رأس عمي، بالرغم أن العادة جرت ـ وما زالت ـ لديهم بتقبيل اليد لا الرأس. فالله وحده يعلم كيف كنت أسترق الفرص صباح كل عيد، بعد رحيل الجميع للصلاة، فأسارع لأطبع على رأسه قبلة الإجلال والاحترام التي عهدها مني، وكان يستحقها فعلًا.

رحل الاثنان؛ المُوصي والموصى به.

اليوم، ونحن نقيم عزاء هذا الرجل الشامخ، وفي إحدى جلسات مواساتي لزوجي، استوقفتني جملة قال فيها بالعامية: “والله إن أبوي رافع راسنا في العزاء”. كم لهذه الجملة من عمقٍ معنوي، حروفٌ لامست قلبي وأدمعت عيني فورًا. أتدركون عمّا نتحدث؟!

نتحدث عن قوة الحضور، وعظيم الأثر لشخصٍ آواه التراب قبل قليل، لشخصٍ ما عاد بيننا، لكن سيرته العطرة أبت أن ترحل برحيل جسده. هكذا هو العم خميس، يسارع بحكمته لترك أول درسٍ بيننا، وفي عزائه مباشرة. لطالما آمنت أشد الإيمان بأن هذا الرجل يملك تفردًا عجيبًا وقلبًا كبيرًا، لطالما أحببته عن بُعد، وحرصت على توقيره واحترامه عن قرب.

فبعد معايشته سنينًا طويلة، ومعايشة مَن يخلفونه من بنينٍ وبناتٍ يتحلون بالجميل قولًا وفعلًا، أدركت أن أبًا شديد البأس، عزيز النفس كالعم خميس، لم ولن يرحل دون ترك إرثٍ وأثرٍ جميلين في سلالته. ولطالما افتخرت أمام ابنه وأمام نفسي بأن لي أبناءً يحملون اسمه، وحدثتهم دومًا بأنه مدرسة عظيمة، كان من مخرجاتها رجالٌ كأبيكم وأعمامكم، فاحرصوا ألّا تكونوا أقلّ منهم يومًا.

وبرغم البعد والمسافات التي حالت بيننا وبين السكنى في منح، إلا أنني كنت أرى في زيارتنا الشهرية ـ أيًّا كانت مدتها ـ أن أبنائي قد نالوا من الحظ أوفره بقضائهم أوقاتًا طويلة معه، تارةً على سفرة الطعام، وتارةً في مزرعته، وقِس على ذلك معايشته ليلًا ونهارًا في كثيرٍ من الأنشطة اليومية. ولطالما كنت أردد في نفسي أنهم وجدوا عوض الله فيه بعد فقدهم جدهم لأمهم.

لطالما أحببت تسابق محمود وقرع أقدامه تلبيةً لأول حرفٍ من نداء جده، ولطالما امتلأت فرحًا بعد أي حديثٍ أو حوارٍ كان يجمعنا. كم قصّ علينا الكثير من قصص الحكمة، ونقل لنا عِبرًا ومواعظ من تجاربه في الحياة، ولطالما أعدت على مسامعه تكرارًا ومرارًا أحاديث عن صحار لم يملّ منها يومًا. لطالما كان يفيض سيولًا من المدح والثناء على والدي في حضوري وغيابي ـ كما أُخبرت ـ.

لطالما عطّر الأجواء بصوته وهو يتلو آيات القرآن، وقد كنت أغبطه على فتراتٍ طويلة كان يقضيها بصحبة كتاب الله، دون مللٍ منه ولا كلل، وكم دعوت الله أن أكون مثله يومًا، وأسأل الله أن أكون كذلك فعلًا.

لم ولن تسعفني الحروف في رثاء شخصٍ بوزن العم خميس، ولن يتوقف شريط الذكريات من المرور في مخيلتنا.

لُقّب بالبحر، وكالبحر هو حقًّا.

فأنا على يقين بأننا سنظل نتعلم وننهل من فيض حكمته، حتى في آخر أيام عمره ـ كما لم نعلم ـ وأيام مرضه، كان يعطي دروسًا في ثباته وتماسكه. أخذ الله أمانته وكأن الضعف لا يليق برجلٍ في صلابته، رحل بكل هدوءٍ وسلام، رحل الأب والجد والعم والمعلم والجار والتاجر والمزارع، رحل خميس البحر، وإني لأجزم بأن ركنًا ثابتًا برحيله قد سقط.

سنفتقدك حقًّا، وسنفتقد حضورك المهيب، ولا أعلم ما أعايشه الآن؛ أهو شعور فقد الأب للمرة الثانية، أم أنه إقرارٌ بأن الزمان لن يأتي بأشباهك يومًا؟!

ختامًا، سيظل الدرس الأعظم لسيرتك:
خلف كلِّ شدةٍ وقوة، قلبٌ مُحبٌّ عظيم.

رحمك الله يا عمي، ونستودع الله روحك، وعزاءنا أنك في كنف الرحمن ورحمته، ونسأل الله أن يظل دعاؤنا لك سياجًا يحيط روحك.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights