2024
Adsense
مقالات صحفية

بصر وبصيرة

مياء الصوافية

علمتنا بأن مع الضد ينكشف الضد فتضىء معه البصيرة كضياء شمس الظهيرة حين أبيضت عيناكَ فتوارى بصرك عن حبيبتيك إلى جوانح قلبكَ، فأيقظ سباته وانتهج بفكره
إلى مسالك الصواب يقيناً، وقاد سرائره إلى الإيمان نزاهة؛ فأيقنت بأن العمى نعمة وليس غمة، فإن كانت أشجار الكهف لا تثمر لظلمة تحيطه فإن أفكار قلبك أثمرت لظلمة غطت عينيكَ، فأدركتَ بأن من العمى يتولد النقيض، فمن سواد عينيك انبلجتْ بصيرتك ومن ظلمة بصرك أضاء قلبكَ إيماناً ندياً.
فأي يقين وصل إليه قلبك يا أبي؟ فألست أنت القائل؟
فالمبصرون أو العميان في نعم
ماشاء ربي فمرزوق وموهوب
إن العمى لعيني زادني أدبا
وزاد قلبي في الطاعات ترغيب
فشكراً لربي حيث الضراء صبرني
فعن أمامي نبي الله أيوب

أحقاً رحلت أبي؟!
أحقاً رحلت عن ترانيم دعائك الموقظة للسبات الحائم حول أرواح ما زالت خضرة ومعها ازدادت اخضراراً؟
فكم أيقظتْ تلاواتكَ قلوباً علقتَها بأنوار القرآن فسرى هذا النور في دقائقها وساعاتها، وأحاطته بهالة نورانية منذ بزوغ بتلات الفجر المتعطشة للظهور وحتى يسجى الليل رداءه ويغطي نواحي الكون بنجومه.
عهدتك يا أبي لا يزور الكرى عينيك إلا بعد أن تضيْئهما بآيات القرآن، فتنتقي لقلوبنا من التلاوات ما يسمو بها خشوعاً وما يجعلها تسرح في ملكوت الله حتى نلهح بوقع هذه الآيات على نفوسنا بلسان يشتهي شهدها.
انطفأتْ أسرجة عينيك يا أبي  فتوهجتْ بصيرتك، فكم كنت أنت الضرير المبصر، وصاحب القلب الأنور، وأصحاب البصيرة والبصر غدو ضرباً من خيال!.
ما زلت أذكرك وأنا عيناك التي ترى عندما أقودك إلى الكتَّاب تمشي كأن القرآن يناديك، كم كانت طلتك جلها نورانية  تشرق على قلوب تلاميذك مهابة  ومحبة!، و كم كان وجهك الوضّاء تتدفق منه أنهار من سكينة كأنها يد أمينة ترعانا
و برفق تتلمس مصاحفنا وتستذكر معنا خزائن حفظنا، ونلج معك إلى ورد القرآن نغترف منه كل يوم غرفات وغرفات من معين لا ينضب، ومن أتقنَ عَجِمْتَ عوده بأن جعلته كمعلم صغير ترقبه وأنت لا تعلم من نظريات التعليم الحديثة شيئاً وإنما البصيرة التي أخذت بيدك.
مازلت أذكر لطائف نصائحك في الكتّاب بعد انتهاء الدرس ونحن نرددها معك كهتاف تعلمنا منها بأن نكون لبعضنا السند إذا ما كشرت أنياب الشر، علمتنا بهتاف نصائحك أن ننتشل ونقيل من وقع في عثرات ونزيل بتعاضدنا عنه الهفوات، وكم كنت أنت الحامي لمن ضاعت حقوقهم والسند لمن حرم المعين!.
مازلت أذكر مرابطتك على الأذان، كنت تعد الوقت وكأنك عقرب الساعة الذي يدور ولست الأعمى الذي غاب ناظريه، أحببت صلاتك فأحبتك.
كم من دعاء أسمعه من قلوب تحاكي بياض الحجيج لا يداخلها إلا الصدق، وصوتك يصدح بالآذان بأن يرد لك الله من البصر ولو عيناً واحدة وهم لا يعلمون بأنك الأعمى المبصر.
لطالما بذرت محبة العلم في أرض قلوبنا منذ نعومة أظافرنا،
فما صم التقاعس آذاننا فلا نسمع غير طرقات كلامك  المحفزة، ولا نرى غير معاهدة منك لحفظنا ودرسنا حتى أصبح مشاهير العلم نعلمهم قبل أن نتعلم شيئاً عنهم في مدارسنا، فأرى كأن نور الدين السالمي لك منه نفحة، وطه حسين في أيامه يذكرني بك، علمتنا بأن العلم كزنبقة بيضاء كلما سقيت بماء نقي زاد بياضها وانتشر عبقها، فالعلم لديك ما هو إلا أساس الحياة الرفيعة في الدنيا والعيشة الرضية في الآخرة، فلطالما رددت على مسامعنا قول الشاعر:
العلم يرفع بيوتاً لا عماد لها
والجهل يهدم بيت العز والشرف

آه يا أبي مر من السنين الكثير، هي طوال عجاف هزلى تطحننا بنابها، وتعركنا عرك الرحى بثفالها منذ صرت بين لحود الفيافي.
أحقاً غابت قرمزية البهاء وانطفأت أسرجة القناديل وذابت نشوة الفخر بأبوتك في دنيا الفناء!  أم أنه ظلام الروح لأعين ما رأت طهارة محياك وما تدفأت بجناحيك بعد انطفاء روحك الدنيوية؟!.
خضرة روحك يا أبي ما زلت أراها في اخضرار نخيلك وتدفق جداول مائك بين زروع بذرها حبك وغذتها يداك الحنونتان.
ما زلت أسمعها تندبك توشوش بعضها تتساءل عنك، وما ندى أوراقها إلا بكاء عليك ففي صلبها يعبق زخم الأحزان، أما تراها تنفش سعفها كمداً عليك فما مشطتها بعدك قلوب أحبتها مثلك.
لكنك يا أبي علمتها بأن  الشموخ يكون بجذور عالقة في ثرى ندي غذاه عرق جبهة عزتك الأبية التي تقتبس من نور الشمس إباء وتكلل بها هاماتها.
أحقاً رحلت أبي؟!
غذيتها في شبابك، وعندما قادتك عصاك وغاب عن عينيك النور لم تنس دربك إليها، وإلى مشارعها وأفلاجها كنت تعتلي هاماتها وقت الحصاد، كأنما توشوشها بأنك المحب الوفي، وإن لم تنعكس صورتها على عينيك ونحن نرقبك بعيون وجلى خوفاً عليك، و كنت تردد على مسامعنا لم هذا الوجل؟!
هل تخافون علي النهاية؟ أنا لا أهابها!
كلنا راحلون محمد(صلى الله عليه وسلم) توفاه الله وهو أحب الناس إليه، أنا إنسان ولا بد من نهاية، وأين أنا من رسول الله؟!
والحياة يجب أن نعمل لها وكأنها خالدة ولا ننس الآخرة. كنت تشحذ نفوسنا وتقوي هممنا بالحكم النبيلة فلطالما رددت على مسامعنا قول ابن الوردي:
اعتزل ذكرى الأغاني والغزل    والزم الجد وجانب من هزل

ودع الذكرى لأيام الصبا           فلأيام الصبا نجم أفل

حل العمى على عينيك بعدما بعث لك بأماراته فانثلم محض شبابك، لكنك لم تنس مصحفك، فكم تعهدت الضبط فيه الضبط في تلاوتك، فكنا الأعين لحفظك ويا لعجبي حفظت كلماته وضبطه فكأنهما محفوران في قلبك، وأسألك عن هذا متعجبة؟ فتقول لي:” الحفظ في العميان”.
مازلت أذكر بأني أتعهد دربك وأنا الصغيرة الغضة أزيل عنها أي شائكة أو عائق يمكن أن تتعثر به في دربك التي بين بيتك ومزرعتك، كنت رحيماً بنا فبادلناك الرحمة والتبجيل.
لطالما حملتنا على الأكتاف في نعومة أظافرنا، تعلمنا العزة من شموخ الشمس وهي تنعكس على جباهنا الصغيرة فانعكس كل ذلك على قلوبنا رحمة وحباً وبراً بك، وعزاً بالانتساب إليك حين كبرنا.
“وأنتِ وحلواك في ناحية” هذا ما قاله أحمد شوقي في ابنته أمينة، فكم أفرحت عيوننا وقلوبنا بما يبهجها من متاع  الدنيا، وكم كانت يداك نديتين تجودان بما يفرح الأطفال من ضروب الحلوى، وبما في لسانك من طرفة محببة ينجذب إليها الأطفال أنساً وتهذيباً!
كم أحببت سلطاننا (قابوس) مردداً بأنه أعلى للعماني مقاماً وجعله عزيزاً مرفوع الهامة،  فصغت في مدحه الأشعار.
كنت ترى الدنيا ببصيرتك فلم يكن قلبك صادياً، بل مرتوياً بمعين القرآن عاملاً بأوامره، منتهياً عن نواهيه، فكنت لا ترخي شباكك لمنصب ولا جاه، ولم تكن تخشى في الله لومة لائم، ولا تجري وراء مناصب الدنيا، فكنت تقول : “منصبي أبنائي”.
أسبغت وضوءك فرحاً بلقاء ربك في فجر يومك، لكن الله(عز وجل) قضى بأن تلقاه في حياة البرزخ، وعلى ما أحببت صلاتك، وحين لقيت ربك ما زال جسدك يتعطر بماء وضوئك،
ما زلت أذكرهم وهم يحملون نعشك، كم كنت أرتجيهم بأن يأخذوني معك لأنك أنت الحياة. رحمك الله يا أبي، “وكل فتاة بأبيها معجبة”.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights