مقالات صحفية

الوعود الفارغة .. مأزق معاملاتنا اليومية

ريهام الحضرمية

في جلسة حوارية مع بعض الزميلات، أخبرتني إحداهنّ بأن ملاحقة الحكومات أكبر مضيعة للوقت، لأسألها باستنكار: ولمَ نلاحقها؟ فتجيب: أقصد بالحكومات هنا مؤسساتها المعنية بخدمة مراجعيها، كي ننجز عملاً ما أو معاملةً معينةً يستغرق الأمر أياماً أو أسابيعَ أو حتى أشهر، وقد يكون المُؤخَّر إجراءاتٍ طويلةً ومعقدةَ، أو ضعف أمانة في أداء العمل.

مرّ وقتٌ طويل على عبارتها عندما بدأتُ بملاحقة المؤسسات، وما لبثتُ حتى فهمتُ ما تعنيه، شعرتُ لوهلةٍ بأنني كُرة تِنِس يتقاذفها الموظفون واحداً تلو الآخر؛ فيرسلك الموظف “س” إلى الموظف “ص”، الذي يرسلك لاحقاً إلى الموظف “ع”، والذي بدوره إمّا يعيدك لـ “س”، أو يقذفك خارج المؤسسة بأكملها لمؤسسة أخرى تقوم بنفس الدور؛ لتعيدك مرة أخرى لـ “س” الذي لديه فكّ شفرة مفاعلك النوويّ الذي جئتَ من أجله منذ البداية. يُجيد الكثير من موظفي مؤسسات الخدمة لعبة التنس، وضرب المُراجع بمضرب يشبه إلى حدٍ كبير “كربة النخلة” ليضمن ابتعادك عنه إلى أكبر قدرٍ ممكن، ولا أعلم حقيقةً السبب وراء ذلك، ولكن الاحتمالات قليلة؛ فإمّا أن يكون الموظف جاهلاً بمهامه الوظيفية المُلقاة على عاتقه، والخدمات القادر على إنجازها، أو أنه يفتقر لحسّ المسؤولية والأمانة الوظيفية؛ ناهيك عن التسويف والوعود الكاذبة؛ كأن يطلب منك أحدهم معاودة المراجعة بعد يومين تقديراً منه للوقت الذي يحتاجه لإنهاء مطلبك أو معاملتك؛ فتؤجل أعمالك، وتعود بعد يومين لتتفاجأ بأنه نسيَ إنجاز معاملتك؛ فتضطر لمراجعته بعد فترة أخرى، وهكذا حتى ترهق أذرعهم من كثرة رميك، أو تتمزق وتنتهي وسط الطاولة، فتنتهي المباراة.

مماطلات، تأخير، تسويف، والأشدّ غرابةً أن تقف معاملتك؛ لأن الموظف المسؤول عنها متغيبٌ، أو في إجازته الاعتيادية، والمعاملة لديه ورمز حاسوبه لا يعرفه سواه، أو لا يملك أحدٌ غيره مفاتيح دولابه وأدراجه.

من أخبرهم بأن الحواسيب غُرف نومهم الخاصة التي لا يجب أن يدخلها سواهم؟ وهل من المنطقيّ توقُّف الحياة لحين عودة هذا الموظف لعمله؟

بعيداً عن كونك كرة تِنس، والتي تحمل القليل من الأمل والكثير من الجهد النفسي والجسدي والمادي؛ فقد تصبح أحياناً كعمود إنارة في منتصف النهار، لا يأبه المارّون بوجوده كَون أشعة الشمس قد طغت على ضوئه.

هو لا يراك لأنه منشغل بتقليب أوراقه، أو العبث بهاتفه أو حاسوبه، مُظهراً بأنه يسمعك وأنت لا تدري هل فعلاً يُصغي إليك أم يريد فقط إبداء اهتمامه بموضوعك عند انطلاق كلمات منه: “أيوا”، “أها”، “ولا يهمك”.. موهماً أنه مصغٍ إليك، وما تقولُه عين اهتمامه، ويتعامل مع قضيتك التي تؤرّقك ليالٍ طويلة، وأياماً كثيرة، وتأخذ من راحة بالك جزءها الأكبر بكل برود واستهزاء؛ لتخرج وأنت تجرّ الخيبات خلفك، والقليل من الوعود المرصّعة بالكذب والكثير من الأذى.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights