مقالات صحفية

الغروب الأخير

ناصر بن خميس الربيعي

تسير بنا الحياة بين شروقٍ وغروبٍ بين ليلٍ ونهار لا نعلم متى تتوقف عقارب العمر عن الدوران؛ فتُحيلنا إلى نهاية الرحلة.
ففي الغروب الأخير، تتثاقل الأنفاس وتخفُّ الأحمال، ويقف الإنسان على حافة العمر ينظر إلى الأفق البعيد كما ينظر المسافر إلى مرفأ الوداع، وعندها قد يكون حظّه سعيداً فيرى المودعين ويلوح لهم بأنامله المتراخية ويده المصفرة، فكيفما كانت النهاية سنبقى مجرد عابرين عبروا مثل الكثير، فهناك تصمت الضوضاء التي رافقتنا سنين العمر ، وتبهت ألوان الصراع، وتبقى الحقيقة عارية بلا رتوش، بعيداً عن التزييف، ماذا كنا؟ وماذا قدمنا؟ وبأي وجهٍ نلقى الغياب؟

الغروب الأخير ليس لحظة سقوط، بل لحظة انكشاف، تتساقط فيها الأقنعة التي لبسناها خوفًا أو طمعًا، أو رجاء ً، حبٍّ أو بغضاً، هناك تتجرد الأرواح من ثقل المناصب والألقاب والأرصدة، لا يرافقنا إلى هناك إلا ما سكن القلب من نوايا، وما سطّرته الأيدي من خير، وما تركته الكلمات من جبرٍ أو كسرٍ في نفوس الناس.

كم من غروبٍ مررنا به ونحن غافلون، نظنه نهاية يومٍ عادي، فإذا به يطوي صفحةً من كتابنا لا تعود، وكم من شمسٍ أشرقت فأنكرنا نورها، وغربت فبكينا دفئها حين فات الأوان، في الغروب الأخير تُفتح الدفاتر، وتُقلّب الصفحات، وتُقرأ السطور المنسية التي دفنتها رياح النسيان : دمعة مسحتها عن وجه يتيم، ويدٌ مددتها لمتعثر، وكلمة حق قلتها حين صمت الجميع، ولحظة صدقٍ عشتها مع نفسك دون رياء.

هو الغروب الذي لا يعقبه شروق في هذه الدار، لكنه قد يكون شروقًا في دارٍ أخرى لمن أضاء دربه بالعطاء، هو اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن العمر لم يكن بعدد السنين، بل بعمق الأثر الذي حفرناه على صمّ الصخر، فما قيمة أعوامٍ مضت إن لم تترك في قلبٍ سكينة، أو في طريقٍ علامة، أو في ذاكرةٍ دعاء؟

فليكن غروبنا الأخير هادئًا كغروب البحر، مهيبًا كغروب الجبل، دافئًا كغروب الشتاء حين يعد بالربيع، ليكن وداعًا ذهبياً شامخاً يليق برحلةٍ تعبنا فيها، وأحببنا، وتألمنا، وغفرنا، وتعلمنا أن الحياة لا تُقاس بطولها، بل بصدقها، بقناعةٍ ويقينٍ راسخٍ بأن الله لا يضيع أجر عامل.

فحين تميل شمس العمر نحو المغيب، وتصفرّ أوراق العمر لن يهم كم جمعنا، بل كم وهبنا، وكم أحببنا، ولن يُسأل أحدنا: ماذا ملكت؟ بل: ماذا منحت؟

فطوبى لمن جعل غروبه الأخير بداية نورٍ لا ينطفئ في قلوب من أحبّوه، ولمن كتب بسنين عمره سطرًا من ضياء، يقرؤه العابرون من بعده فيقولون: مرّ من هنا إنسان، فأزهرت الحياة بلسماً يشفي جراحات المكلومين وعطراً ينثر أريجه في غابات الحياة المؤلمة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights