الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

غواية المجهول

د. طالب بن خليفة الهطالي

يولد الإنسان وفي داخله ميلان متوازيان؛ ميل إلى ما يعرفه ويطمئن إليه، وميل آخر إلى ما يجهله ويحاول أن يكتشفه، فالمعلوم يمنح شعور الاستقرار والسيطرة، بينما يوقظ المجهول فضولاً خفيا يدفع إلى الاقتراب منه رغم ما فيه من قلق. ومن هنا يتشكل معنى غواية المجهول.

وبهذا يصبح مفهوم غواية المجهول وصفاً لحالة إنسانية مستمرة لا لحظة عابرة؛ حالة يتأرجح فيها الفرد بين رغبته في الحفاظ على الاطمئنان ورغبته في أن يشعر أنّ حياته ما زالت قابلة للتجدد والنمو؛ فهو يعيش بين قطب الأمان الذي يمنحه الجذور وبين قطب المجهول الذي يمنحه الأجنحة؛ وكل خطوة يخطوها خارج المألوف إنما هي استجابة عملية لهذه الغواية الداخلية، سواء تعلق الأمر باكتشاف نفسه أو تجربة علاقة جديدة أو تخطيط مستقبل لا يعرف تفاصيله؛ لذلك يمكن القول إن غواية المجهول ليست عيباً في تكوين الإنسان بل هي منبع كثير من أسئلته واختياراته وطرق تقدمه في الحياة ما دام يحاول أن يوازن بين النداء الذي يجذبه إلى الأفق وبين البوصلة التي تحافظ على اتجاهه.

إن أول مناطق المجهول ليست خارج الإنسان بل في داخله؛ فالنفس ليست صفحة مكشوفة بالكامل لصاحبها وإنما طبقات تتكشف مع التجربة والزمن، وحين يحاول الإنسان أن يفهم دوافعه العميقة، أو يواجه نقاط ضعفه، أو يكتشف طاقاته المخبوءة، فإنه يقترب من مجهول داخلي لم يره من قبل؛ لذلك كانت تنمية الذات مغامرة بقدر ما هي حاجة؛ لأن تغيير فكرة راسخة، أو كسر عادة قديمة، أو تبنّي سلوك جديد يعني الخروج من منطقة مألوفة إلى أخرى لا نعرف نتائجها بعد.​
ففي رحلة الاكتشاف هذه يتجاور الشعوران معاً رهبة مما قد نكتشفه عن أنفسنا، ورغبة صادقة في رؤية الحقيقة لننضج أكثر. نحن نخشى مواجهة عيوبنا، لكننا نحتاج هذه المواجهة لكي ننمو، ومع كل خطوة نتقدم بها نحو أنفسنا يتسع وعينا وتخف حدة الغموض؛ غير أن في داخل الإنسان دائماً جزءا لم يكتشف بعد، يمنحه الحركة ويمنعه من الجمود، وهكذا لا يكون المجهول الداخلي خصماً للإنسان، بل أحد أهم منابع تطويره وتبدل نظرته إلى ذاته والعالم من حوله.

حين يقترب الإنسان من إنسان آخر، فإنه لا يقترب من شخص ظاهر فحسب، بل من عالم كامل لا يعرف حدوده ولا مساراته. فكل علاقة جديدة باب يفتح على مجهول إنساني واسع. نحن نبني العلاقات لأننا نحتاج الأنس والمشاركة والدعم، ونتردد لأننا ندرك أنها تحمل احتمالات الفرح كما تحمل احتمالات الخذلان والتغير. لذلك تبدو العلاقات مساحة يتجاور فيها الأمان والقلق معًا؛ نعطي قلوبنا ونحن نعرف أنها قد تتألم، ونبوح بأسرارنا ونحن ندرك أنه قد يُساء فهمها.
ومع ذلك لا يتوقف الإنسان عن السعي إلى العلاقات، لأن وجوده لا يكتمل في العزلة؛ فالآخر مرآة تكشف لنا أنفسنا، ومن خلاله نرى ما لم نكن نراه في ذواتنا. إن الدخول في علاقة جديدة هو في جوهره، قبول واع بالمجهول نقبل أن نتغير وأن يتغير الآخر، وأن تمضي العلاقة في اتجاه لا نتحكم فيه بالكامل. غير أن هذا القبول نفسه هو الذي يصنع المعنى؛ فالعلاقة لا تصبح حية إلا عندما نتقدم نحوها بقلوب مفتوحة، تعرف المخاطر لكنها تختار الود رغم ذلك.

المستقبل هو المجهول الأكبر الذي يتجه إليه الإنسان كل يوم، وهو لا يملك مفاتيحه كاملة. نحن نخطط ونعمل ونجتهد، ومع ذلك ندرك أن ما سنلقاه لا يتطابق دائماً مع ما نتصوره. ومع هذا الوعي لا يتوقف الإنسان عن البناء؛ لأنه يعلم أن التوقف لن يلغي المجهول، بل سيجعل الفراغ مفتوحاً ليملأه الآخرون صدفة أو قرارا.​
يعد التخطيط للمستقبل شجاعة هادئة في مواجهة المجهول، لا اندفاعا ولا انسحابا، شجاعة أن تسعى وأنت تعلم أن النتائج غير مضمونة تماما، وأن تقبل باحتمال التغيير دون أن تستسلم للفوضى، هنا يصبح المجهول دافعاً لا عائقا؛ فهو الذي يدفعنا إلى التعلم، واكتساب المهارات، واتخاذ القرارات، لأن كل خطوة نخطوها اليوم محاولة لرسم ملامح الغد مهما بقي الغد مفتوحاً على احتمالاته. وهكذا يعيش الإنسان بين الإيمان بقدراته وحدود علمه؛ يوازن بين التدبير والأمل، ويحول قلق المجهول إلى طاقة للعمل بدل أن يتحول إلى شلل ينتظر ما يحدث دون مشاركة في صنعه.

إن تاريخ المعرفة الإنسانية، في جوهره، حكاية سير متواصل نحو المجهول. فكل سؤال علمي ولد لأن إنسانا ما تجرأ أن يعترف بأنه لا يعرف. لم يكن العلماء والمكتشفون يملكون اليقين قبل التجربة؛ بل كانوا يسيرون بخطوات محسوبة في مناطق لا خرائط سابقة لها: من البحار غير المطروقة، إلى آفاق الفضاء الواسع، إلى العوالم الدقيقة في الذرة والخلية. كان المجهول هو الشرارة الأولى لكل اكتشاف​.
ومع ذلك لم يكن هذا الاندفاع تهورا، بل جرأة منضبطة بمنهج التجربة والبرهان؛ فالعلم يحول المجهول إلى معلوم خطوة بعد خطوة، دون أن يدعي امتلاك الحقيقة النهائية. وهكذا تتحول غواية المجهول إلى قوة بناءة؛ فهي التي تدفع العقول إلى طرح الأسئلة، وتمنح الإنسان (inquietude)معرفية تجعله غير راض عن حدود معرفته الراهنة، فيتجاوزها طلباً لفهم أعمق للعالم ولنفسه معا.

هنا يقف الإنسان أمام أسئلة كبرى لا يملك لها إجابات كاملة؛ أسئلة المصير والمعنى والغاية من الوجود. وفي هذا الأفق الواسع يظهر المجهول لا بوصفه مساحة معرفية فحسب، بل تجربة روحية عميقة. فاليقين الكامل في التفاصيل ليس متاحاً للإنسان، ومع ذلك لا يتوقف عن البحث والسعي.
وهنا تتشكل علاقة دقيقة بين الإيمان والعمل؛ يعمل الإنسان ويبذل جهده وهو يدرك أن الغيب أكبر من قدرته على الإحاطة، فيتعلم أن يعيش الطمأنينة رغم نقص المعرفة التفصيلية. ويغدو المجهول ليس مصدر خوف دائم، بل مجال ثقة وتوكل، ومساحة التقاء بين جهد الإنسان وحدود علمه.
إن الحياة لا تبنى على التحكم المطلق، بل على التوازن بين التدبير والأمل، بين السؤال والسكينة، بين السعي والرضا. وعندما يدرك الإنسان أن الجهل ببعض التفاصيل ليس نقصا، بل جزءا من طبيعة الوجود، تخف حدة قلقه ويقوى حضوره؛ لأنه يدرك أن المجهول ليس دائماً خصما، بل قد يكون باباً لمعنى أعمق يتجاوز الحسابات العقلية البحتة.

وفي نهاية المطاف يجد الإنسان نفسه مطالباً بالموازنة بين حاجته إلى الأمان ورغبته في خوض المجهول. فالأمان يمنحه الاستقرار والشعور بالسيطرة على تفاصيل حياته، بينما تمنحه المغامرة معنى التجدد واتساع الأفق. المشكلة لا تكمن في أحد الطرفين، بل في الميل الكامل إلى أحدهما وإقصاء الآخر؛ فالتعلق المطلق بالأمان يجعل الحياة راكدة خالية من التجربة، والاندفاع الأعمى خلف المجهول يحول الغواية إلى تهور وفوضى.​
لذلك يحتاج الإنسان إلى ميزان داخلي يجمع بين الجذور والأجنحة، جذور تغرسه في قيم واضحة وهوية ثابتة ومسؤولية واقعية، وأجنحة تتيح له المحاولة والاكتشاف وتغيير المسار حين تدعوه الحياة إلى ذلك. ومن هذا التوازن يتشكل وعي ناضج بالمجهول؛ لا يخشاه فيقف جامدا، ولا ينجرف خلفه بلا بوصلة، بل يقترب منه واعياً بأن نتائجه قد تحمل مكسباً أو درساً أو تغييراً عميقا في نظرته إلى نفسه والعالم.​
وهكذا يصبح المجهول جزءا من البناء لا من الانهيار؛ به تنمّى الذات، وتبنى العلاقات، ويخطط للمستقبل، وتتحرك المعرفة إلى الأمام. عند هذه النقطة يدرك الإنسان أن الحياة ليست يقيناً كاملاً ولا ظلاماً كاملا، بل سعي بين نور يكفي للخطوة الأولى وثقة تحمل الخطوات التي تليها. وبذلك تغدو غواية المجهول ليست خطراً ينبغي التخلص منه، بل طاقة إنسانية إذا وجهت بوعي صنعت النمو والمعنى والاتزان.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights