تحتفل صحيفة النبأ الإلكترونية بالسنة السادسة لتأسيسها
Adsense
مقالات صحفية

ليسوا لَبِنات بناء ..

صالح بن خليفة القرني

يقول أمين الريحاني في إحدى رسائله:

“المدينة العظمي هي التي تكثر فيها الأمهات الحازمات العازمات المدركات ما سما من مقاصد الحياة، فلا يعلمن أولادهن الخرافة والكذب والمراوغة، ولا يعودونهم الطاعة العمياء والجبن والخوف.”

لن أدخل في تفاصيل مدينة الريحاني العظمى، ولن أتطرق للمدينة الفاضلة للفارابي وقبله أفلاطون، ولكن ما يهمني الساعة التأكيد أن المثالية التي نَشَدَها الريحاني دفنت معه منذ ما يتجاوز الثمانين عاما، ولن نستطيع أن نبلغها ولو حرصنا، ولكننا قادرون بالتأكيد على إنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ فما لا يدرك كله لا يترك جله.

إن الأم التي تفني زهرة شبابها لفلذة كبدها رعايةً وتربيةً وتعليما تستحق كل احترام وتقدير وتبجيل، وقبل هذا الأجر والمثوبة من الله تعالى، وهي تدرك بأنها مسؤولة عن ذلك؛ أو ليست راعية ومسؤولة عن رعيتها؟

وبالتأكيد لا أعفي الأب عن المسؤولية؛ فهو مسؤول كذلك، ودوره لا يقل فداحةً عن دورها؛ لذا ينبغي على الزوج أن يقف معها موقف الرجال، فيساعدها ليغرس في أبنائه أن أعمال البيت يقوم بها الجميع وليست من واجبات الأم فقط.

أجد أن الريحاني كان محقاً حينما ركز على الأمهات ودورهن في التربية؛ فهن في الواقع من يقمن بأغلب الأعمال المنزلية وإن كانت مساهمة لبعض الرجال فهي نادرة، والنادر لا يقاس عليه.

تنبري الأمهات على المذاكرة- أقصد يجلس الأبناء خاشعين للمذاكرة- استعداداً للدروس، وأجدني أميل إلى أن الجملة الأولى أكثر دقة، فنجد الأم تقيم الدنيا ولا تقعدها إذا كلّف ولدها بنشاط منزلي أو واجب بيتي، وتواصل كلال ليلها بكلال نهارها وولدها مستلقٍ -ولا على باله- ينتظر دوره لتذاكر له حين الانتهاء من أخيه أو أخته، وقد يكون دوره متأخراً ويكون التعب قد بلغ منها مبلغاً يجعلها تنام دون أن تتمكن من أن تنهي لولدها مذاكرته، فيعود ذلك المدلل إلى البيت بعد الدرس صاباً جام غضبه على المسكينة التي لفرط تعبها ما استطاعت أن تذاكر له في الليل، ولفرط دلاله رفض أن يستيقظ في الصباح وتستمر على هذا المنوال سنوات.

هذا المدلل والذي اعتاد أن تُذاكر له دروسه سينسب كل تقصير وإخفاق وإهمال لأمه؛ فهي الملام أولاً وأخيراً- كما يعتقد-، ثم يكبر ولا يستطيع من أمره شيئاً إلا بأمه أو أبيه، فلم يعتد تحمل المسؤولية، ولم يشعر بالمبالاة لأموره؛ فهناك من ينجزها عنه، وهناك دائماً من يتلقى الصدمات نيابة عنه.

وبهكذا، تنشأ لديه الاعتمادية؛ فلا يكاد يستطيع شيئاً إلا بوجود والديه، فلن يختار تخصصاً ولا وظيفة ولا زوجة إلا بعد أن يرشده والداه؛ فتنشأ لديه الطاعة العمياء التي حذر منها الريحاني من سنين فهو لا يملك من أمره شيئاً، ووالداه هما من يتخذان القرارات المتعلقة بكل جوانب حياته.

إن الأسرة الواعية تدرك خطورة التربية وتعقيداتها ومستجدات العصر، وتعرف أنه على الأب والأم على حد سواء أن يقوما بدورهما بلا إفراط ولا تفريط، ويعلِّما أبناءهما طرق المذاكرة ويتركونهم يواجهون مشاكلهم بأنفسهم؛ فلا ينجزون لهم نشاطاً، ولا يعدون لهم مشروعاً، ويبقى دورهما أرشادياً توجيهيا دون تدخل إلا باليسير، ويحاسبانهم على التقصير بالحرمان من أمور يحبونها، والعقاب البسيط إن لزم الأمر؛ فالأولاد متى ما وجدوا أبوين حازمين نشأوا أسوياء ويمكن الاعتماد عليهم، وكانوا لبنات بناء لا معاول هدم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights