الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
قصص وروايات

“بيت من طين” قصة قصيرة

طه جمعه الشرنوبي

• 1 •
كان الطريق إلى القرية ممتدًا كذكرى طويلة لم يرغب يومًا في استعادتها. الشمس تتسلل من بين سعف النخل، والعصافير تتنقل بين الأسلاك المتهالكة، وكأن الزمن هناك يسير على مهل، كما لو أن شيئًا لم يتغير.
توقف “راشد” أمام اللافتة الصدئة المكتوب عليها: (أهلاً بكم في قرية ” كفر التل “)، ثم تنهد طويلاً كأنّه يطرد وجعًا قديمًا.

– “مش هطول، يومين تلاتة وأخلّص البيع”، تمتم لنفسه وهو يعيد النظر إلى خرائط هاتفه المغبر.

البيت الذي ورثه عن جده، بيت الطين الصغير الملتصق بجدار المقابر القديمة، لم يكن بيتًا بالمعنى المعروف. كان حجراتٍ متجاورة، وسقفًا منخفضًا من الخشب وسعف النخل، وذكرياتٍ لم يتحدث عنها منذ غادر قبل خمسة عشر عامًا.

حين دخل الحارة الضيقة، التفت إليه طفل صغير يحمل “صاج” فطير ساخن، وتوقف لبرهة، ثم صاح:
– “إنتَ حفيد عم خليل؟”

أجابه راشد بفتور:
– “أيوه، راشد… تعرفني؟”

– “أنا ما اعرفكش، بس جدتي كانت دايمًا تقول: راشد لما يرجع هينضّف البيت وينوّر الحارة.”

ابتسم راشد بسخرية، ثم تابع خطواته الثقيلة نحو البيت الطيني.
وقف أمام الباب الخشبي، وقد علاه التراب والعنكبوت، أخرج المفتاح الذي ظل محفوظًا في درج بالمطبخ منذ سنين، وأداره.

صرير الباب كان أشبه ببكاء طفل نسيه أهله داخل حجرة مغلقة.

دخل؛ رائحة التراب المختلط بالخشب العتيق والنَدى كانت كما هي، لا تتغير، ولا ترحم.
جلس على الدكّة الحجرية تحت الشباك، كأنّه لم يرحل يومًا، وكأن كل تلك السنوات في المدينة كانت حلمًا مرّ سريعًا.
من خلف النافذة، تسلل صوت أذان العصر، كأنّه يدعوه للصلاة… أو للبقاء.

• 2 •
في اليوم التالي، استيقظ راشد على صوت صرير الباب الخارجي. لم يكن قد أغلقه بإحكام، وكأن البيت نفسه كان يختبره: هل تنوي المكوث؟ أم أن الرحيل لا يزال قائمًا؟
خرج ببطء، فوجد على العتبة طبقًا صغيرًا من الفول وقرصين من الطعمية وقطعة خبز طازج. لا أحد في الحارة. فقط صوت بعيد لبائع اللبن، ورائحة الحطب المتصاعد من بيت الجيران.
ابتسم رغمًا عنه.
قال بصوت خافت:
– “لسّه في ناس فاكراني؟”
جلس على الدكّة، وأفطر بصمت.
بعد دقائق، اقترب منه صبي نحيل لا يتجاوز العاشرة، يحمل بيده كراسة رسم وقلم فحمي. وقف أمامه بثقة غريبة وقال:
– “إنت رسّام؟”
تفاجأ راشد بالسؤال:
– “أنا؟ لا، كنت برسم.”
– “يعني بتعرف ترسِم؟”
– “آه، بس بطلّت من زمان.”
– “طب تعال شوف رسمي…”
فتح الصبي كراسته، فظهر رسمٌ لبيت الطين، بدكّته، ونافذته، حتى ظل النخلة ظهر بوضوح خلفه.
– “ده بيتك، مش كده؟”
أومأ راشد بإعجاب:
– “رسمك حلو… وإنت اسمك إيه؟”
– “آدم.”
مدّ راشد يده وصافحه، قال له آدم:
– “جدتي بتقول إنك لما كنت صغير كنت بترسِم على الحيطان، وجَدّك كان يزعق لك… بس بعدين علّق رسوماتك في الصالة!”
ضحك راشد بصوت عالٍ، لأول مرة منذ زمن.
أخذ الكراسة منه، وقلب الصفحات. وجده يرسم الوجوه، البيوت، الحقول، وحتى النخلة اللي كانت تسنده أيام زمان.
قال له راشد:
– “تعالى بكرة، نرسم سوا.”
فرح آدم، وأخذ يجري في الحارة وهو يهتف:
– “راشد بيه رجع يرسم!”
ابتسم راشد. كان الصوت يعلو من خلف البيوت، يتردد على الجدران، كأن البيت تنفّس للمرة الأولى منذ زمن.

• 3 •
في المساء، جلس راشد على الدكّة كما فعل جده لسنوات. أخرج ورقة بيضاء وقلم رصاص من حقيبته القديمة، وبدأ يرسم من الذاكرة: وجه جده، تفاصيل التجاعيد، العين الحادة، اللحية البيضاء، العصا التي كان يطرق بها الأرض بإيقاع منتظم… كان كل شيء يعود إليه كأن الصور كانت فقط تنتظر عودته.
وفجأة، سمع طرقًا خفيفًا على الباب الخشبي.
فتح، فوجد امرأة في أواخر الخمسينات، تحمل طبق أرز بلبن، وتضع طرحة بسيطة على شعرها.
– “أنا أم آدم… قلت أجي أسلم، ما يصحّش ترجع البلد ومحدش يزورك.”
– “أهلاً وسهلاً… تعالي، اتفضلي.”
– “لا والله، بس حبيت أقولك النور رجع للبيت، ووش الحارة نوّر.”
– “ده من ذوقك.”
– “آدم فرحان إنك شجعته على الرسم… بقاله كتير بيرسم لوحده، وبيقول نفسه يلاقي حد يفهمه. شكله لقاك.”
– “وهو موهوب فعلًا… بيذكرني بنفسي وأنا صغير.”
ضحكت أم آدم:
– “يبقى البيت ده ليه لازمته تاني.”
سكت راشد.
كان ينوي غدًا أن يتصل بالمشتري ويحدد موعدًا للمعاينة. لكن الجملة علقت في قلبه كشوكة ناعمة: “البيت ليه لازمته تاني.”
أغلقت أم آدم الباب، وتركت الطبق في يده. دخله كأنه يحمل شيئًا أغلى من الأرز واللبن.
في الليل، جاءه صوت أطفال عند النافذة:
– “يا راشد بيه، تحكيلنا حكاية؟”
أطلّ من الشباك فوجد خمسة أطفال يجلسون على الأرض، وأحدهم يحمل فرشة رسم قديمة.
ضحك وقال:
– “حكاية؟ طيب، اسمعوا الحكاية دي…”
وقصّ عليهم حكاية عن فتى اسمه “زيد”، كان يرسم على جدران الجبال، وذات يوم، رسم شجرة كبرت فعليًا من الحائط، وصار الناس يأتون من كل مكان ليشربوا من ظلها.
الأطفال فغروا أفواههم، وفي نهاية الحكاية، صفقوا، ثم سأله أحدهم:
– “يعني ممكن الحيطان ترجع ترسم تاني؟”
أجابه راشد:
– “لو صدّقت إنها تقدر… هتقدر.”

• 4 •
صباح اليوم التالي، قرر راشد أن يُنظف البيت. لا على نية البقاء، ولكن كي يبدو مناسبًا للبيع. أقنع نفسه بذلك، وهو يلبس جلبابًا قديمًا وجده معلقًا خلف الباب، يشبه جلباب جده، وقد انبعثت منه رائحة الحناء والغبار الدافئ.
بدأ من الغرفة الصغيرة المجاورة للدكّة. كانت تستخدم قديمًا كمخزن، وكل شيء فيها مغطى بطبقة من التراب الناعم، كأنّ الزمن قرر أن يُخفيها بلطف لا يُشبه القسوة.
بينما يكنس الزاوية الخلفية، ارتطم طرف المكنسة بشيء صلب تحت الأرضية الطينية. جلس على ركبتيه، وبدأ يحفر بأصابعه حتى انكشفت حافة صندوق خشبي صغير، عليه نقش باهت:
“لمن يفتح، اقرأ قبل أن تحكم.”
رفعه ببطء، فتحه.
داخله مجموعة من الرسائل ملفوفة بشريط قماشي باهت، ودفتر صغير.
فتح أول رسالة. كانت بخط جده:
“إلى راشد…
أعرف أنك ستعود يومًا، ولو لم أكن أنا موجودًا.
البيت دا مش طين بس، دا انت. كل حجر فيه حافظ ضحكتك وأول بكا.
هتلاقي في الدفتر ده حاجات عني… يمكن تفهمني، ويمكن تفهم نفسك.”
ارتبك راشد. قلب الرسائل بسرعة، فوجد جده يكتب فيها عن وحدته بعد رحيل ابنه، والد راشد، وعن محاولاته الفاشلة في الاحتفاظ بالبيت حيًا. كتب عن الرسم، وعن أول مرة رأى حفيده يمسك قلمًا ويمشي به على الجدار.
كتب أيضًا عن خوفه من الهدم… لا هدم البيت، بل هدم الذكرى.
وضع راشد الرسائل على حجره، وظل جالسًا دقائق طويلة لا يفكر، لا يخطط، فقط يستمع… وكأن البيت نفسه يحكي الآن.
ثم فجأة، نفض التراب عن الدفتر، ونهض، وفتح الشباك ليجعل الشمس تدخل، وبدأ يكتب في الصفحة الأولى:
“البيت لسه هنا،
وأنا لسه بتعرف عليا.”
في تلك اللحظة، مرّ آدم من الشارع، وصاح:
– “النهارده هنرسم؟”
رد راشد بصوت فيه شيء جديد:
– “النهارده هنرسم الحارة كلها.”

• 5 •
تحوّلت الحارة في أيام قليلة إلى ورشة صغيرة من الفرح. راشد رسم خطة بسيطة على الورق:
“نلون جدران الحارة برسومات من خيال الأطفال.”
شجرة بتضحك، حمار بيغني، بيت بيطير فوق السحاب… كانت أفكار آدم وأصدقائه غير منتهية، مثل خيالهم.
بدأوا بالجدار المقابل لبيت راشد. كان متهالكًا، تتقشّر طلاءاته، وتظهر تحته طبقات من سنين مضت.
لكن راشد لم يُخفِ التشققات. بل قال:
– “هي دي الحكاية… نرسم حوالين الشرخ، مش نغطيه. زَيّ ما بنعيش حوالين وجعنا.”
صمت الأطفال لحظة، ثم بدأوا يرسمون شجرة تخرج من الشق، وفراشة تطير فوقه، وقلب صغير يحمل كلمة “أمل”.
في غضون أسبوع، كانت الحارة تحوّلت إلى معرض مفتوح. المارة يتوقفون لالتقاط الصور، نساء يضحكن من خلف الشبابيك، حتى بائع الفول رسم طبق فول مبتسم على عربته.
جاءت صحفية شابة من الجريدة المحلية، وسألت راشد:
– “مين صاحب الفكرة؟”
قال وهو يشير إلى آدم:
– “هم… أنا بس فتحت لهم الباب.”
انتشر الخبر. صار الناس يأتون من القرى المجاورة ليروا الحارة الملونة. وبعضهم عرض على راشد شراء البيت.
لكن أحدهم كان مختلفًا.
رجل أنيق، يحمل حقيبة جلد، ونظارة سوداء. جاء بسيارة فارهة، وقال بصوت واثق:
– “أنا مستعد أشتري البيت، وأحول المنطقة دي كلها إلى مشروع فني… مركز رسم، كافيهات، معارض، ورش للأطفال. بس محتاج البيت دا كبداية.”
سكت راشد.
الرجل مدّ له العقد، وقلم، وقال:
– “السعر ضعف اللي كنت ناوي تبيعه بيه… ما تحلمش بأكتر من كده.”
في الليل، جلس راشد على الدكة، ينظر إلى الجدار الملوّن، إلى الأطفال اللي ناموا بعد يوم رسم طويل، وإلى رسائل جده، التي صارت على الرف جنب السرير.
رفع الهاتف، وفتح رقم المشتري القديم.
لكنه لم يتصل.
بل أغلق الهاتف، وقال بصوت خافت:
– “البيت مش للبيع.”

• 6 •
مرّت أيّام بعد رفض راشد لعرض البيع، لكن الحارة لم تهدأ. بل على العكس، صار الأطفال يأتون من أماكن أبعد، والأهالي صاروا يتجمّعون حول الجدران يرون رسومات أولادهم، ويضحكون من قلوبهم.
البيت نفسه بدأ يتغيّر. لم يعد صامتًا. صار يشبه راشد نفسه؛ مرتبكًا في البداية، ثم مستقرًّا، هادئًا، يعرف مكانه أخيرًا.
ذات صباح، استيقظ راشد على طرق خفيف على الباب. فتح فوجد موظفًا من المحافظة، يحمل خطابًا مختومًا.
– “تم ترشيح البيت ليكون مقرًّا لمبادرة فنية للأطفال تحت رعايتكم. لو وافقت، هنبدأ الشغل خلال أسبوع.”
ظل راشد واقفًا لحظة، صامتًا، قبل أن يسأل:
– “بس أنا مش جهة رسمية…”
رد الموظف:
– “أنت راشد اللي خلّى الأطفال يصدقوا إن الجدران بتتكلم. ده كفاية.”
أخذ الخطاب، دخل البيت، جلس على الكرسي القديم بتاع جده، وفتح الدفتر اللي صار يكتب فيه كل ليلة.
كتب جملة واحدة:
“أنا بقيت الجدار اللي بيرسموه، مش اللي بيتهدم.”
في الغروب، اجتمع الأطفال حوله، وكان آدم يمسك برسمة جديدة: بيت من طين، يخرج منه ضوء، والناس تضحك خارجه.
قال راشد:
– “عايزين نرسم الرسمة دي على الحيطة الكبيرة.”
سأله آدم:
– “دي رسمتي؟”
رد راشد:
– “دي حكايتنا.”
وفي نهاية اليوم، أغلق راشد الباب بهدوء. لأول مرة من سنين، أغلقه لا هربًا من المدينة، ولا نية للبيع، بل لأنه أخيرًا… في بيته.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights