الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
الخواطر

جل من يُقسط ..

     خولة بنت محمد السعدية

نزوحُ الشمسِ اليوميّ هذا

وهي في صورتها المعتادة

تجرُّ خيوط محمرة

على مهلٍ تتحرك

 أراها متعبة

كأنها طفلة تذكرت على مضضٍ أن عليها العودة إلى البيت ،بعد قضاء يوم يكتظ باللعب،

 وتقوى فيه مشاعر حنونة مختلفة

لكن شمسنا ..ليس لها شفق مستقر

بل ترحل لنصفٍ آخر

من كوكبنا الضئيل

لتهب عدلها فيه

احمَّرت أذيالها

كخطِ لونٍ قانٍ

زاد الإحمرار

أراها لونٌ مائي لحظة انتشاره السحريّ على ورقٍ صافٍ به قطرات ماء.

أراها جمرةٌ غاصت بين الموج

الذي أحالته بحرَ دماء!

وجعلت السماء حولها شفقا محمرا خجلا

نزلت ببطء

فأُحيل الأفق لوحةً أَضْنَتْ على رسامها من الألوان

سوى اللون الأحمر

أعطته إياه بكرم

الأحمر فحسب

وربما خلطته بالقليل من الزرقة المائلة للرمادي..

لا أدري لما أشعر أن الشمس لحظة الغروب تشيع جنازات همم البشر..

أراها تشفق على أصحاب الكوكب..

تشفق على البشر اللاهثين خلف ملذات وأهواء الدنيا.

يلهثون دوما ؛

بلا حسابٍ ولا وعي يذكر

بل غيٍّ مستمر

غافلين أهدافهم ربما،

متناسين غاية خلقهم،

مهملين رؤية دينهم،

متخبطين بين مساعيهم الدنيوية والأخروية،

وجل من يُقْسط!

أرى الجميع يركض يا أمي

تتعدد الوجهات

البشر يا أمي

أراهم سواء

ملامح أيادٍ فارغه

عينان تدوران بين الفراغ

ويغيب عني ما وراء نطراتهم

لطالما تفكرت يا أمي في النوايا،

كيف من الممكن ترفع انسانا

وتضع آخر!

لم أكره شيئا يا أمي

سوى الخبث

في لحظةٍ ما تمنيتُ أن يُظهر اللئيم ما بجعبته من أول لقاء،

أما الطيب نرى نقاؤه بأخلاقه وإيثاره يسبقه.

ما زلتُ يا أمي أتمنى هذا؛

فقلبي منهكٌ من الثقة التي أعطيتها بسخاءٍ لمن ليسوا أهل لها.

وكان وقتي أغلى من مقابلتهم

أراني أرثي كل ثانية

ضاعت من عمري

وانا أنظر بمحبةٍ صادقةٍ

لخبيث أراد أن يرتدي صفاءً من الود.

يغلب علي حسن الظن يا امي

الذي كاد يرديني.

لنعود لصديقتنا الشمس المحمرة

آن أن ينطفئ ضوئها

لتهب نورها لجزء آخر من الكون

رداء السواد بعدها يحل على المكان، يلبس الطرقات ،ويغطي مسارات البشر.

بعدها

نغرقُ بالظُلَم

هذا السواد السميك

يذكرني بفترةٍ قاتمةٍ

تلك الفترة التي يكون فيها النكران سيد الموقف

والرفض ردة فعل العقل

حين أسمع الخبر لأول مرة

صرخت تُوفي ؟من؟ أبي؟؟

 ركضت لغرفته

 بعد ذاك التساؤل العبثي المدويّ.

نكران الخبر مستمر

وليس لديّ نية وقتها للتصديق

بعد صرخة الألم اليتيمة

التي يلفها الخوف من ألم الدنيا بعد أبي

وبين التعايش مع الواقع الجديد بعد الفقد،

تلك الفترة الصامتة الثقيلة

فترةٌ خرساء لا تبوح لك بما عليك فعله

كيف تصبر

كيف تعيش طبيعيا

كيف تصادق الساعات بعد فراقهم

كيف تنتنفس طمأنينة وجزء منك غُيّب

كيف ترجو أملا

وقد رحل من يسقيه بقلبك

كيف تتبنى طموحا

وبرد الموت يزمهر أمام ناظريك

متوعدا زيارتك مرة اخري

في قريب

في حبيب

وينظرك بترقب :ولربما أنت التالي!

اذكر لحظات موت أبي

اللحظات الأولى جعلتُها تهتز صخبا من الحزن

ثم سكون مُقيت

قلب يتباطأ نبضه

شعور باليتم لا يوصف

وحدةٌ رغم امتلاء الساحات

رحلتَ يا أبي

فلم أرى بعدك سوى الغروب

عرفت وقتها يقينا

ما معنى أن تموت وقلبك ينبض

ما معنى أن تستيقظ وآمالك نائمة

ما معنى أن تسعى وأنت لا ترى سوى سوادا بدربك

ترى غروبا نازفا في طريق طموحك

لو أحدثك يا أبي

ما حصل بعد رحيلكَ لقلبي!

فراغٌ وسط الزحام

سكونٌ مخيف وسط الضجيج

حرارةَ دموعِ ألمٍ لا تُطاق

تخنقني الدموع تلك

تعود روحي لواقعي الفقيد

بشهقة ألم تسكن الدنيا بعدها

السكون الغريب

والهدوء المخيف

دموع وجع الفقد ما زالت تحرقني

ولكأنها الشمس بلهيبها على وجنتي،

تأبى أن تنسل أذيالها من خدي.

لا حلم بعدك يرفعني يا أبي

سوي أن يجمعني بك الرؤوف في جنات النعيم

نعم هذا عزائي

استلهمته يقينا من عقيدتي

فليرتاح نبضك الذي شُقَّ في آخر أيامك

فلتهدأ نفسك الذي أكلها القلق خوفا على مستقبل أولادك

فلتنم يا أبي بسلام

فقد اخترت لنا أما عظيمةً

لن نَضلَّ الطريق ما دام عبقها بين جنبات بيتك

لطالما شعرت بامتنان أن رزقت أما مثلها

أيتها الشمس

هل تشعرين بالعار

لأنك رحلتِ

ولم ترين إنجازات لبني البشر

سوى الحرب والقتل والأسر

رحلتِ بعد سبحا طويلا

ولم تجدين حلم تحقق

أو غاية بُلغت

أو علما أُحيي

أو درسا حُفظ

لتعودي غدا

لتعودي بعد مئة عام

لن ترين مبتغاك

إلا إذا فهم الإنسان أن الكون بعظمته وسعته بداخله

يستطيع أن يضيئه بشمس جميلة مثلك

يستطيع أن يسرج بداخله قمرا

إذا ترك العالم وسعى لترميم داخله

سينير القمر

ثم تسطع شمسا أجمل

لن تسعدي إلا بعد أن يعود البشر للطريقة القويمة ،

لنعود لخالقنا

لتعودي لنا غدا

ولتنشري آمال الكون بين جنبات كوكبنا البائس

لتحملي لنا أخبارا مبهجةً عن أمتنا ،عن قدسنا ،

هل أخبرك شروقك السرمدي منذ متى وأقصانا مأسور؟

منذ متى وأخواننا بلا وجه حق يذبحوا؟

أي حق؟

أما سمعتِ عن المقدسات التي نراها يوميا بعنهجيةٍ تُدنس

والأراضي التي تُنهب

من سيعيدها لأهلها؟

هل أخبرتك ساعات السبح الطويل تلك

وأنتي عبثا تحاولين إدراك القمر

أن الشعب يجوع

أن المناضل يسمى _كذبا _ إرهابي

هل حدثتك التضاريس التي تمرين بها يوميا

أن الشواهق هناك قد اندثرت أما وصلك نبأ فلسطين بعد ؟

هل عرفت ما آل إليه هوان أمةً مليونية؟

غثاء

نعم .. صدق القول فينا

هذا حالنا

أنا هنا أحكي حالنا

وأجاهد بقلمي

لأجلك فلسطين

اتحرق شوقا لتعودي أيتها الشمس

هذه المرة ببشارات النصر

وراية الفتح

لتعودي لنا شمسا تنير قلوبنا عزة

وتملأ أرواحنا رفعة

لتعودي شمسا حقيقية

لا ينبغي لها أن تدرك الأسى

بل مهمتها الأولى إنارة طريق الموحدين

حتى لا يشعروا بغربة في الزمن هذا

أحيي فينا بضياؤك الأمل.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights