الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

أثرياء البيذام

  صالح بن ناصر المحروقي

في مقابلةٍ متلفزة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت امرأة عمانية تتحدث بثقة عن تجربتها في بيع فاكهة البيذام، وقالت إنها كانت تجني ما يقارب خمسمئة ريال يومياً من عملها هذا، وأنها اشتركت في جمعية مالية حصلت من خلالها على مبلغٍ مكّنها من شراء توين فيلا وأرض، ثم أنهت حديثها بعبارةٍ علقت في الأذهان: “لا تستعبطوا البيذام”.

وسرعان ما تحوّل المقطع إلى ظاهرة إعلامية، وتلقفه الجمهور بإعجابٍ كبير، بوصفه نموذجاً للكدّ والاجتهاد، غير أنّ انتشار القصة لم يكن بسبب فرادتها، بل لأنها قدّمت فكرةً مريحة لعقلٍ يريد تصديق الثراء السهل، وأعادت إنتاج الوهم القديم بأنّ النجاح ممكنٌ بمجرد الرغبة، حتى وإن كانت ظروف السوق ضيقة والفرص محدودة.

ورغم أنّ القصة قد تكون صحيحةً في ظاهرها، إلا أنّها لا تصلح لتكون نموذجاً عاماً، ففاكهة البيذام في سلطنة عمان موسمية ومحدودة الكمية، ولا يمكن أن تستوعب موجة مقلدين جدد، خاصة بعد أن تحولت القصة إلى مادةٍ شعبيةٍ جذابةٍ تُحفّز التقليد دون وعيٍ اقتصادي.

أمثالُ هذه الحكايات التي تُبنى على الاستثناءات، تُقدَّم للمجتمع كدليلٍ على أنّ الطريق إلى الثراء مفتوحٌ للجميع، وهي تُغطي على الخلل البنيوي في الاقتصاد المحلي، حيث تضيق مجالات الاستثمار، وتتعقدُ فرص العمل، وتُختزل الحلول في مبادراتٍ فرديةٍ مؤقتة.

وخلال السنوات القليلة الماضية، تسببت أمثال هذه النماذج في خلق موجةٍ من المشاريع الصغيرة المكررة، من أكشاك القهوة والشاي، إلى بسطات المشاكيك والبرجر والآيسكريم، فامتلأت بهم الشوارع والأسواق، وتشبع الطلب، وتراجعت الأرباح، ثم تلاشت أغلب هذه المشاريع بهدوء دون أن يلتفت إليها أحد.

لقد تخطت هذه الظاهرة بعدها الاقتصادي، فأصبحت مؤشراً اجتماعياً على التحول في وعي الشباب تجاه العمل والفرص، فقد تحوّل البحث عن الدخل من طموحٍ طويل المدى إلى محاولةٍ يائسة لتأمين الاحتياجات اليومية، وغابت فكرة التخصص والإبداع لتحل محلها عقلية النسخ والتكرار.

لقد أُبتليُ مجتمعنا بعقليةٍ كربونيةٍ لا تُنتج اقتصاداً متنوعاً ولا مجتمعاً مبدعاً، بل تخلقُ حالةً من الدوران حول الذات، حيث تُستهلك كل فكرةٍ ناجحةٍ في زمنٍ قصير دون تطويرٍ أو فهمٍ للسياق، فيفقد السوق توازنه، وتضيع الجهود الفردية في زحام التقليد.

وفي الوقت الذي ينشغلُ فيه الشباب العماني بالمشاريع الصغيرة التي تدر الفتات، يسيطر الوافدون على القطاعات الحيوية الكبرى في البلاد، من النقل والتوريد إلى الصحة والصناعة، حيث تُدار أغلب هذه المجالات بأيدٍ أجنبيةٍ تستحوذ على العائد الأكبر، بينما تُهدر الطاقات الوطنية في أعمالٍ هامشيةٍ لا تصنع قيمةً حقيقية.

ولا يتوقفُ الخطأ عند مستوى الأفراد، فبعض الجهات الرسمية تتعامل مع هذه القصص وكأنها مؤشرات ازدهار، فترفع الرسوم والضرائب على أصحاب المهن الصغيرة، معتقدةً أنهم يحققون أرباحاً كبيرة، بينما الواقع أنّ أغلبهم يعيش على الحد الأدنى من الدخل، ويكافح للبقاء في السوق.

إنّنا لا نستنكرُ العمل الشريف مهما كان ضئيلاً، ولكنّنا نرى أنّ تحوّل المهن البسيطة إلى شعارٍ وطنيٍ للنجاح يُفقدها معناها الواقعي، ويُضعف صورة الطموح العام، لأن الدول لا تُبنى على بسطات الطرقات، بل على مؤسساتٍ تعليميةٍ قوية، واقتصادٍ مُنتج، ومشاريع قائمة على المعرفة والتقنية والابتكار.

وفي ظل هذا الانشغال بالمشاريع الصغيرة الهامشية، تتراجع الكفاءات عن مواقعها الطبيعية، ويُهمَل أصحاب التخصصات الدقيقة الذين يُفترض أن يقودوا التحول الصناعي والتقني في البلاد، فتُستنزف الطاقات في مجالاتٍ لا تبني مستقبلاً مستداماً.

إنّ ما يجري اليوم في بلادنا يعكسُ حالةً من اليأس أكثر مما يعكس روح المبادرة، فلو كانت الفرص متاحةً فعلاً لما لجأ كثيرٌ من الخريجين إلى بيع القهوة أو الشاي على قارعة الطريق، فالقضية ليست في الرغبة بالعمل بل في انسداد الأفق أمام الطموح.

وعلى صُنّاع القرار أن يقرؤوا هذه الظاهرة كإشارةٍ تحذيرية، لا كقصة نجاحٍ تُروّج في الإعلام، فهي تعكسُ تحولاتٍ عميقة في مفهوم العمل والفرص والتوقعات، وتكشفُ ضعف التنسيق بين التعليم وسوق العمل، وانكماش الاستثمار في المشاريع المنتجة.

ما تحتاجه عُمان اليوم ليس المزيد من قصص الثراء الفردي، بل استراتيجية اقتصادية تُعيد الاعتبار للعقل المنتج، وتحوّل الطاقات البشرية من بائعين على الأرصفة، إلى صُنّاعٍ في المصانع ومبتكرين في المختبرات، عندها فقط يمكن الحديث عن تنميةٍ ورؤية حقيقية.

وهكذا حين يظهرُ في مجتمعنا “أثرياء البيذام”، فإنما يظهرون كمرآةٍ لواقعٍ مرتبك، يختزلُ الطريق الطويل إلى النجاح في سلة فاكهة، ويستبدلُ السياسات العميقة بالحكايات السطحية، حتى يصدِّق الناس أنّ الثراء يُباع على ناصية الطريق!

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights