الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
قصص وروايات

(قصة) الصديقان .. الفصل الثاني عشر

  فايل المطاعني

محام في محكمة العيون

ظهر الانسجام واضحًا بين عمر وسهام، وكأنهما عريسان يقضيان شهر عسلهما الأول، وقد توهجت سهام جمالًا وحيوية، وهي تضع يديها على شفتيها كلما استمعت إلى مغامرات عمر الظريفة، فلا تملك نفسها من الضحك، خاصة حين انتحل شخصية المحامي ببراعة.

قالت له وهي تبتسم بدهاء: – تخيّل أنني القاضي، وأنت تترافع أمامي عن متهم… أرني كيف تقنعني ببراءته!

وقف عمر بكامل جديته، وبدأ يترافع أمامها كما لو كان في قاعة المحكمة، بينما كانت سهام تتابعه بابتسامة عذبة. وعندما انتهى، قالت له: – أنت محامٍ ممتاز… ولكن لدي ملاحظة: لماذا لم تنظر إليّ وأنت تترافع؟ ألست أنا القاضي؟

ضحك عمر وقال: – حين أقف أمام القاضي لا أتهيب أحدًا، لأنني واثق أن الحق معي، وواثق ببراءة موكلي. لكن عندما أقف أمامك، لا أستطيع النظر في عينيك… فهما يسلبان مني توازني، وجمال عينيك يربكني، يجعلني أغرق في بحر لا أجيد السباحة فيه. فما بالك بشخص تطربه الكلمة وتقتله النظرة؟

احمرّ وجه سهام خجلًا، فقالت وهي تضحك: – يا لك من محامٍ بارع! هل كل المحامين بهذا الأسلوب أمام القضاة؟

اقترب منها عمر، وقطف وردة من الحديقة وقدمها لها قائلًا: – وهل كل القضاة بجمال ورقة سهام عبد الله؟

أخفضت سهام نظرها، وركضت لتلتقط شالها الذي طيّره الهواء دون أن تشعر. وعندما التقطته، قالت محاولة الهروب من لحظة الضعف: – تعال نرَ أين ذهبت منى وأستاذها…

لكنها كانت تهمس لنفسها: “ليتني قابلتك في بدايات العمر، بدايات النضج والمشاعر البكر…”

أُعجبت سهام بعمر، لكنها لم تكن امرأة تنساق خلف مشاعرها بسهولة. فقد تعلمت أن تكون متزنة، وأن تترك للقدر أن يصوغ ما يشاء. هي تعرف أن المجتمع لا يرحم الأرامل، وأن الرجل، وإن بلغ من العمر عتيًّا، يحق له الزواج من فتاة في العشرين طالما يملك المال. أما المرأة، فلا يُسمح لها حتى أن تطلب الطلاق.

لماذا تجسّد أمامها شريط حياتها؟ لماذا تذكرت زوجها الراحل؟ الرجل الذي كان في أواخر أيامه، يلجأ إلى الحبة الزرقاء ليعوض ما فقده، فيجرّد العلاقة من أي عاطفة.

نظرت إلى عمر، وقد كان يشارك الحديث مع خالتها صفية وابنة خالتها مها في إحدى زوايا الفيلا، وأحست بوخز الغيرة… أو لنقل، بإحساس حرّك شيئًا عميقًا في قلبها. دون وعي، ذهبت إليهم وجلست بين عمر ومها، وكادت نبضات قلبها تفضحها.

كانت السيدة صفية تتحدث عن العقارات وطرق حمايتها من اللصوص، بينما كانت سهام تلتهم عمر بنظراتها، لكنها حاولت التماسك، مبتسمة حينًا على كلمة، وحينًا على موقف ظريف من عمر.

أما محمد صالح، فظل عاجزًا عن البوح لمُنى بحبه، رغم الفرص التي منحتها له. كان هاجس “كوني مجرد موظف” يقيده، ويتردّد بداخله السؤال: “كيف ستعيش فتاة غنية مثيلة منى مع رجل عادي مثلي؟”

شعر بالضياع، وتمنى لو أن عمر كان بجانبه، ليساعده كما اعتاد دائمًا. أخذ يبحث عنه، حتى وجده جالسًا في الصالة الرئيسية محاطًا بثلاث سيدات، فقال ساخرًا: – هذا المحامي الحذق لا يضيع وقته!

أما منى، فقد ملت من انتظاره. كانت تمنحه الفرصة تلو الأخرى، لكنه يخذلها كل مرة. وأخيرًا، قررت الانسحاب والانضمام إلى والدتها وأختها، وهي تهمس في نفسها: – لن أرضى على نفسي أن أتزوج هذا المخلوق الضعيف، ولو كان آخر رجل على وجه الأرض…

عاد الصديقان إلى المنزل، وكل منهما يحمل في داخله شعورًا مختلفًا. نظر عمر إلى محمد، وقال: – ما بك؟ أراك حزينًا، وجهك مغلف بالكآبة…

كان محمد شاردًا، ينظر إلى الطريق بصمت، وعيناه غائرتان. أوقف عمر السيارة على الرصيف، والتفت إليه قائلًا: – محمد! تكلّم، أرجوك… بُح بما في داخلك.

حاول محمد أن يتحدث، لكن صوته كان مختنقًا. وبعد جهد، قال متلعثمًا: – لم أصارح منى بحبي… لم أنطق بحرف… خانتني الذاكرة… تمرّنت كثيرًا، وأعدت الكلام ليلة البارحة مئات المرات، لكن عندما رأيت عينيها، اختفى كل شيء… والمصيبة أنها مهدت لي الطريق! لكنني كنت خائفًا… مرتبكًا… غبيًا…

وانهار محمد باكيًا، وكأن الكلمات التي لم يستطع قولها تحولت إلى دموع تنهمر بغزارة… وكانت من النوع الذي لا يُكفكف بسهولة… دموع رجل عاشق، ضاعت عليه فرصة البوح.

نظر عمر إلى صديقه وهو يبكي، ثم احتضنه بشدة، وأعطاه منديله المطرز، وقال: – لا تبكِ يا صديقي… لا تلُُم نفسك. كل واحد فينا يحمل قدره. والحب، يا محمد، لا يعني فقط أن تنطق بكلمة… بل أن تكون هناك كفؤًا… أن تفهم من تحب، تحس به، تعرف ما يريد دون أن يطلبه. والحب لا يعيش بلا احترام… هو جوهر العلاقة، وهو ما يمنحها الاستقرار.

ثم ابتسم وأضاف: – البنات يظنون أن أغاني كاظم الساهر مقياس للحب… لكن الحياة الزوجية أعمق بكثير من أغنية. الحب رقي، ولهفة، ومشاعر دافئة لا تُختزل في لحن.

ربت عمر على كتف صديقه وقال: – هيا بنا، لقد تأخرنا… خديجة لن تنام ما دمتُ خارج البيت، هي أمي التي ربّتني ولم تلدني…

ومع تشغيل محرك السيارة، صدحت شيرين عبدالوهاب بأغنيتها: “مشاعر… تشاور، تودّع… مشاعر… تموت، تحيا… مشاعر… آه من ده المشاعر…”

تحركت السيارة، وفي داخلها مصيران متباينان لرجلين: أحدهما عرف طريقه، فمضى إليه بخطى واثقة. والآخر، ظلّ تائهًا في دائرة الخوف والصمت، يهمس لنفسه: “أنا خائف… جبان… لا أستحق الحياة…”

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights