الخواطر

أين أنت الآن .. بين عيدين؟

  عادل بن حميد الجامعي

هناك لحظة خفية في حياة الإنسان لا يصفق لها أحد، ولا تُعلَّق لها الزينات، ولا يراها الناس غالبًا، لكنها اللحظة التي يبدأ فيها بالخروج من نفسه القديمة. ليست لحظة صاخبة، ولا قرارًا عظيمًا يُكتب في المذكرات، وإنما شعور داخلي هادئ يشبه أن يفتح المرء نافذة صغيرة في قلبه بعد اختناق طويل، ثم يسأل نفسه للمرة الأولى بصدق: أين أنا الآن؟

ليس المقصود: أين أعمل؟ ولا ماذا حققت؟ ولا كم بقي لي من الطريق؟ بل: أين تقف روحي فعلًا؟ أأنا ما زلت في المكان ذاته الذي كنت فيه منذ أعوام؟ أم أن شيئًا في داخلي تحرك أخيرًا نحو النور؟

ولعل الإنسان يكتشف مع العمر أن أخطر ما قد يعتاده ليس الفشل، وإنما الركود. أن يستيقظ كل يوم بالنسخة نفسها، والمخاوف نفسها، والتأجيل نفسه، حتى تصبح الأيام متشابهة إلى درجة أن العمر يمر دون أن يشعر به. ولهذا كانت منطقة الراحة -على هدوئها- من أكثر المناطق خديعة. فهي لا تؤلم صاحبها مباشرة، لكنها تسحبه ببطء إلى حياة مؤجلة، أحلامها كثيرة، وخطواتها قليلة.

يبقى الإنسان فيها مطمئنًا إلى الأشياء المعتادة: الوجوه نفسها، الأعذار نفسها، والأفكار التي لا تتغير. ويقنع نفسه أن الوقت لم يحن بعد، وأن الظروف ستتحسن لاحقًا، وأنه سيبدأ حين تهدأ الحياة قليلًا، مع أن الحياة لا تهدأ تمامًا لأحد.

ثم تأتي لحظة يضيق فيها القلب من البقاء في المكان ذاته. لحظة يشعر فيها الإنسان أن روحه خُلقت لشيء أبعد من مجرد التكرار. وهنا يبدأ الخوف. ليس خوف الوحوش الكبيرة، وإنما الخوف الصامت الذي يسكن داخل الإنسان: ماذا لو فشلت؟ ماذا لو لم أكن كما أظن؟ ماذا سيقول الناس؟ ماذا لو بدأت متأخرًا؟ ماذا لو تعبت ولم أصل؟

والغريب أن كثيرًا من الناس يظنون أن الشجعان لا يخافون، بينما الحقيقة أن أغلب الذين عبروا نحو أحلامهم كانوا خائفين، لكنهم ساروا رغم ذلك. فالخوف لا يعني دائمًا التراجع، بل أحيانًا يكون علامة على أنك اقتربت من الباب الذي ينبغي أن تفتحه.

بعدها يبدأ الإنسان بالتعلم، وهذه المنطقة متعبة على نحو لا يفهمه إلا من عاشها. ففيها تتكسر الصور القديمة عن النفس، ويكتشف المرء كم كان يجهل، وكم يحتاج أن يتغير، وكم يلزمه من الصبر ليعيد بناء ذاته. يتعلم الإنسان فيها كيف يعتذر، وكيف يبدأ من جديد، وكيف يقبل أن يكون في أول الطريق بعد أن كان يظن نفسه قد وصل.

لكن أجمل ما في منطقة التعلم أنها تعيد الإنسان إلى الحياة. فالمعرفة ليست معلومات فحسب، وإنما ولادة أخرى للعقل والروح. وكل مهارة جديدة، وكل فكرة عميقة، وكل تجربة صادقة، تضيف في الداخل نافذة جديدة يرى الإنسان منها العالم بصورة أوسع وأرحم وأنضج.

ثم، من حيث لا يشعر، يبدأ بالدخول إلى منطقة النمو. وهي ليست منطقة الكمال كما يتصور البعض، وإنما منطقة الاتساع. أن تصبح أكثر فهمًا لنفسك، وأكثر هدوءًا مع الآخرين، وأكثر قدرة على مواجهة الحياة دون أن تفقد قلبك. وفي هذه المرحلة لا يعود الإنسان منشغلًا بإثبات نفسه بقدر انشغاله بأن يكون حقيقيًا. يتغير تعريف النجاح داخله، فيصبح أقرب إلى المعنى منه إلى المظاهر، وأقرب إلى الأثر منه إلى الضجيج .. ولعل أجمل ما يمكن أن نتأمله أن العيدين العظيمين في الإسلام يشبهان هذه الرحلة الإنسانية العميقة.

فعيد الفطر يأتي بعد شهر كامل من المجاهدة. بعد أيام حاول فيها الإنسان أن يهذب نفسه، ويخفف ضجيج شهواته، ويقترب من الله بقلب أكثر صفاءً. ولهذا كان الفطر يوم فرح ورحمة وجائزة. كأن الإنسان بعد طول مجاهدة يسمع نداء خفيًا يقول له: لقد حاولت، فافرح بقربك، وافرح بأن قلبك ما زال حيًا.

أما عيد الأضحى فله معنى آخر أكثر عمقًا وهدوءًا. إنه ليس عيد الجائزة فقط، بل عيد النحر. والنحر في حقيقته ليس مجرد شعيرة تُؤدّى، وإنما رسالة عمر كاملة. أن يكون في داخل كل إنسان شيء ينبغي أن يُذبح كي يكبر. خوف قديم، أو تعلق متعب، أو عادة تؤخره، أو نسخة هشة من نفسه ظل يحملها سنوات طويلة.

ولهذا فإن أجمل الناس ليس الذين لم يخافوا يومًا، ولا الذين لم يتعثروا، وإنما الذين كانوا صادقين بما يكفي ليضحوا بما يمنعهم من العبور.

بعضنا يحتاج أن ينحر الكسل، وبعضنا يحتاج أن ينحر التسويف، وبعضنا يحتاج أن ينحر تعلقه برأي الناس، وبعضنا يحتاج أن ينحر حزنه القديم الذي أقنعه أنه لا يستحق بداية جديدة، ومن عجيب رحمة الله أن يجعل للمؤمن عيدين، كأن أحدهما يعلّمه أن الفرح يأتي بعد المجاهدة، والآخر يعلّمه أن النمو لا يحدث إلا بعد التضحية.

وفي النهاية، ربما لا يحتاج الإنسان كل يوم إلى إنجاز عظيم بقدر حاجته إلى سؤال صادق: أين أنا الآن؟ هل أقترب فعلًا من الإنسان الذي أريد أن أكونه؟ أم أنني ما زلت أدور في المكان ذاته؟

فالحياة لا تقاس بعدد السنوات وحدها، وإنما بعدد المرات التي غادر فيها الإنسان نسخته القديمة نحو نسخة أقرب إلى الله، وأقرب إلى النور، وأقرب إلى المعنى الحقيقي للحياة.

كل عام أنتم بخير

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights