الجمعة: 13 مارس 2026م - العدد رقم 2853
مقالات صحفية

طريق العلم لا يشيخ

   صالح بن سعيد الحمداني

من أجمل ما يمكن أن يعيشه الإنسان في مسيرته الحياتية أن يقف عند محطةٍ فارقة، يتأمل ما مضى ثم يقرر بشجاعة ووعي أن يبدأ مرحلة جديدة من عمره، مرحلة يكون فيها العلم في مقدمة أولوياته، وصقل المواهب هدفًا ثابتًا، والارتقاء بالمكانة العلمية مسارًا واضح المعالم، فالحياة لا تكون كما يظنها البعض خطًا مستقيمًا إنما محطات وتجارب ولكل مرحلة نضجها وثمارها، ومن أحسن استثمار المراحل حصد المجد ولو تأخر القطاف، إن تغيير مسار الحياة نحو المسار العلمي ليس بالأمر الهيّن، فهو قرار يحتاج إلى همة عالية، وعزم صادق، وإصرار لا تلينه العقبات، حين يقرر الإنسان العودة إلى مجالس العلم ومقاعد الدراسة، فإنه لا يعود طالب شهادة فحسب، بل طالب معنى، وباحث عن قيمة، وساعٍ إلى سموٍّ فكريٍّ وأخلاقيٍّ، فيبدأ رحلته من الدبلوم، ثم البكالوريوس، فـالماجستير، ويختمها ـ بعون الله ـ بدرجة الدكتوراه، لا بدافع التفاخر والتباهي ولكن إيمانًا منه بأن العلم رسالة، وبأن “من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة”.

وإذا نظرنا اليوم إلى واقع مجتمعنا في هذا الوطن الغالي نجد فئة كبيرة من أبنائه وبناته قد تجددت فيهم الهمة، وانبعث في نفوسهم الشغف بالعلم، فاختاروا مواصلة دراساتهم العليا، أو تغيير مساراتهم المهنية والعلمية، والانطلاق من جديد دون الالتفات إلى رقمٍ يُسمّى العمر، فهم يدركون أن العلم لا يُقاس بالسنين وإنما بالإرادة وأن “اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد” منهج حياة وليست مقولة تُردد على الألسن، فالعلم نور ومن أراد النور سعى إليه مهما طال الطريق، وفي جامعة البريمي بدأت حكاية جميلة، حكاية امتزج فيها الطموح بالأمل، والتعارف بالعلم، حيث التقيت بأشخاصٍ تبادلنا أطراف الحديث ثم جمعتنا قاعات الدراسة، وعلى كراسي العلم جلسنا معا، فأصبحنا زملاء درب قبل أن نكون زملاء مقاعد، ولكن أية درب هذه؟ إنها درب المعرفة والعلم والفكر، زملاء علم يحملون في فكرهم تجارب السنين ودروس الأيام، فمن المتوقع أن الرحلة العلمية الجديدة دربها سيكون أجمل وأعم وأشمل.

ومع بداية هذا الأسبوع وفي صباحٍ شتويٍّ جميل حين كان النسيم العليل يلف محافظة البريمي بطبيعتها الساحرة، اختُتمت مرحلة من مراحل العمر العلمي، بانتهاء دراسة المواد المقررة في رسالة الدكتوراه في القانون الخاص، كانت لحظة تختصر سنوات من الجهد وتعلن بوضوح أن العمر ليس مقياسًا للجلوس على طاولات الدراسة في بدايته وزمن الشباب، ليس طلبًا لشهادة أو تباهي بدرجة ولكنها الرغبة الصادقة، والعزيمة القوية، والإيمان بالهدف، وما كان لهذا المسار أن يكتمل لولا ما حققته هذه النهضة المباركة في الوطن الغالي “عُمان” ـ حفظها الله ـ نهضة تعليمية راسخة، تمثلت في فتح الجامعات الخاصة، والاهتمام بها بجانب جامعة السلطان قابوس، وسنّ القوانين المنظمة للتعليم العالي وتيسير سبل الدراسة في مختلف التخصصات، لقد أصبحت فرص التعليم اليوم مختلفة جذريًا عمّا كانت عليه قبل أعوام، وأكثر شمولًا ومرونة، مما يعكس رؤية وطنية تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان، فهنيئًا لنا هذا الوطن، وهنيئًا لنا هذه الباكورة العلمية التي نفخر بها بين الأمم.

كانت تجربتي العلمية ثرية ومتنوعة؛ بدأت من كلية العلوم الشرعية بعد مرحلة التقاعد، حيث حصلت على الدبلوم في العلوم الشرعية وثم البكالوريوس في أصول الفقه، ثم انتقلت إلى جامعة البريمي لمواصلة مسيرتي في الماجستير والدكتوراه في القانون الخاص، وكانت هذه المرحلة إضافة حقيقية للحياة، أضافت لها معنى علميًا عميقًا، وبعدًا أدبيًا راقيًا، وسموًا فكريًا في الجوانب العلمية والثقافية والقانونية، لقد عشقت القانون من كلية الحقوق، ونهلت من علم دكاترة أفاضل، حملوا رسالة العلم بصدق وأمانة، وقدموا لطلابهم المعرفة مقرونة بالقيم، وجدتُ في التعليم ذوقًا مختلفًا تمامًا عن سائر شؤون الحياة؛ فهو ليس ذوقًا يُذاق، إنما أسلوبُ حياة، ورُقيٌّ في الفكر، وثباتٌ في النفس، ورفعةٌ في الذات، تعليمٌ يختلف كليًّا عن ذاك الذي في بدايات العمر؛ إذ تمتزج اليوم خبرة السنين بما نتعلمه، فتولد دروسٌ مشبعةٌ بالعِبر، ويقف الإنسان على وعيٍ راسخ بين النظري والتطبيقي، مستندًا إلى خبرة العمر ونضجه.

وجامعة البريمي، كغيرها من جامعات عُمان الحبيبة، لم تكن تنظر إلى أعمار طلابها ولا لمستوياتهم بل إلى ما يقدمونه من جد واجتهاد، وما يحملونه من طموح ورسالة، فالجودة العلمية والرسالة السامية، والرؤية الواضحة هي ما يجمع هذه المؤسسات الأكاديمية، تحت إشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، التي كان لها دور محوري في تنظيم ودعم المسيرة التعليمية، ومن هنا لا يسعني إلا أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير لكل من كان رفيق درب في هذه الرحلة، ولكل أستاذٍ علّمنا حرفًا، فكان له علينا فضل لا يُنسى، مصداقًا لقول الإمام علي رضي الله عنه: “من علّمني حرفًا صرت له عبدًا”، وسنظل ـ بإذن الله ـ على طريق العلم لا نلتفت إلى الأمثال التي تثبط الهمم، بل نؤمن أن “من جدّ وجد، ومن زرع حصد”، وأن الصخر الصوان يُنقش بالإصرار قبل الأدوات.

نحن طلاب علم وسنظل كذلك؛ لأننا أبناء وطنٍ عُرف بالعلم والمعرفة، وطن حضارة وسمو ورقي، لم تنضب خيراته، ولن تنضب، ما دام نور العلم يضيء دروبه، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومتناسين المثل لما شاب ودوه الكتاب.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights