الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

اتفاقية الهند، من المستفيد حقاً؟

   صالح بن ناصر المحروقي

منذ إعلان اتفاقية الشراكة الاقتصادية بين عُمان والهند، تباينت ردود الفعل بين متفائل يرى فيها فرصة توسع ونمو، ومتحفّظ يخشى آثارها على القطاعات المحلية، ومع هذا التباين يبرز السؤال حول مدى انسجام بنود الاتفاقية مع مصلحة الاقتصاد والمجتمع في عُمان، وإلى أي مدى تراعي الفوارق بين اقتصادين لا يجتمعان في الحجم ولا في القدرة الإنتاجية.

أول ما يلفت النظر في هذه الشراكة أنّها تربط سوقاً محدود الحجم باقتصاد هائل شديد التنوع، يملك قدرة واسعة على إنتاج السلع منخفضة التكلفة، ومع دخول هذه السلع بإعفاءات جمركية تتقدم الشركات الهندية بخطوات واسعة داخل السوق العماني، بينما تقف المشاريع الصغيرة والمتوسطة أمام منافسة شرسة في السعر والحجم والخبرة.

ويزداد الإشكال تعقيداً عندما نتذكر أن جزءًا كبيراً من المصانع القائمة داخل السلطنة مملوك لمستثمرين هنود أو خاضع لإدارتهم المباشرة، ويحمل أسماءً عمانية أكثر مما يحمل ملكية وطنية حقيقية، وفي هذه الصورة تصبح فرص التصدير وصفاً يحتاج إلى مراجعة، فالمصانع التي يُفترض أن تحمل البضاعة العمانية إلى الهند كثير منها مملوك في الأصل للهنود، وتميل عوائدها إلى حساباتهم، ولا تعكس مكسباً حقيقياً للمنتج العماني إلا في أضيق الحدود.

كما يطرح هذا الواقع تساؤلاً حول موقع العماني من المعادلة، فهل يظل دوره محصوراً في الوظائف التنفيذية داخل مشاريع لا يملك قرارها، أم تتشكل سياسات صناعية تعيد توزيع القوة داخل قطاع الإنتاج، وتمنح المواطن موقع الشريك وصاحب القرار، خاصة مع توسع النفوذ الهندي المتوقع بعد دخول الاتفاقية حيّز التطبيق.

وهناك جانب آخر يتصل بالرسوم الجمركية، فالتخفيض التدريجي لها يفتح المجال لانسياب البضائع، لكنه في المقابل يقلل من أحد أهم أدوات الدولة في حماية صناعاتها الناشئة، كما يؤثر في إيرادات الخزينة، ويحد من قدرة الحكومة على استخدام الرسوم كوسيلة لتوجيه السوق أو دعم قطاعات معينة تحتاج عناية خاصة في سنواتها الأولى.

تتضمن الاتفاقية أيضاً قواعد للمنشأ قد تسمح بمرور سلع معاد تصديرها عبر الهند، فتدخل السوق العماني بوصفها منتجات هندية مفضلة، وفي هذه الحالة تتحول عُمان إلى محطة استقبال لبضائع عالمية تستخدم الهند كبوابة قانونية، من دون أن تتحقق قيمة مضافة حقيقية داخل الداخل العماني، ومن دون أن تنشأ صناعات نوعية تمثل علامة وطنية مستقلة.

ويبرز ملف الخدمات بوصفه مجالاً حساساً آخر، ففتح الأبواب أمام شركات هندية في قطاعات الاستشارات والتقنية والاتصال والصحة والتعليم يضيف خبرات معتبرة، لكنه يحمل في طياته منافسة مباشرة للكوادر العمانية في هذه القطاعات، لاسيما مع امتلاك الشركات الهندية شبكات أوسع وتمويلاً أضخم وخبرة طويلة في العمل عبر الحدود.

أما حركة رجال الأعمال والاختصاصيين، فتسهيلها يمنح المستثمر الهندي حضوراً أعمق في تفاصيل السوق، ويزيد عدد الفاعلين المرتبطين بمصالحه داخل السلطنة، ومع الزمن يتكون ثقل اقتصادي واجتماعي كبير يمتلك تأثيراً واضحاً في سوق العقار والعمل والخدمات، ويحتاج إلى إدارة دقيقة حتى يبقى توازن الفرص محفوظاً بين المقيم والمواطن.

ولا يقتصر الأمر على الصناعة والخدمات، فالمنتجات الزراعية والغذائية الهندية ستصبح مرشحة للانتشار بشكل أكبر على رفوف المتاجر العمانية، مستفيدة من السعر والمنشأ والاتفاقية في آن واحد، ومع توسع هذا الحضور سوف يواجه المزارع العماني صعوبة في تسويق إنتاجه من المحاصيل الزراعية.

وفي قطاع الدواء والمنتجات الصحية تمتلك الهند صناعة قوية وممتدة، ومع انفتاح الأبواب أمامها تنشأ فرصة للحصول على أدوية بأسعار أقل، غير أن هذه الفائدة تحتاج إلى منظومة رقابة صارمة تضمن الجودة والاستقرار، كما تحتاج إلى رؤية واضحة لبناء صناعة دوائية محلية قادرة على النمو والمنافسة، حتى لا يتحول السوق الصحي العماني بأكمله إلى تابع لمصانع هندية ترسم وحدها خريطة العرض والطلب وأسعار العلاج.

كما أن الشركات الهندية ستجد طريقها سالكا للفوز بالمناقصات والمشاريع الكبرى في البنية الأساسية والخدمات اللوجستية، فهي تمتلك خبرة طويلة في خفض التكاليف وتقديم عروض تنافسية، ومع دخولها هذا الميدان سوف تتراجع حظوظ الشركات العمانية، ومع كل مشروع جديد تُسلَّم إدارته إلى الهند نبتعد خطوة أخرى عن فرصة تكوين خبرة وطنية حقيقية في هذه المجالات الحيوية.

ومن زوايا الاتفاقية ما يرتبط بالمعايير الفنية والمقاييس، فالسعي إلى توحيد المعايير يسهل التجارة على مستوى الورق، لكنه يحمل كلفة امتثال إضافية على المشاريع الصغيرة والمتوسطة داخل السلطنة، هذه المشاريع تعاني أصلاً من كلفة التمويل والإيجار والتشغيل، ومع إضافة هذه الأعباء الجديدة ستزيد احتمال خروج بعضها من السوق، أو ستبقى في نفس المستوى الذي لا يلبي الطموحات.

إلى جانب ذلك تظل قضية نقل التقنية وبناء القدرات الوطنية سؤالاً مشروعاً، فالمذكرات العامة لا تكفي، والمطلوب هنا هو اشتراطات دقيقة تفرض نسباً واضحة للتدريب والتوظيف ونقل المعرفة داخل كل مشروع، حتى يتكوّن جيل من المهندسين والفنيين العمانيين القادرين على إدارة هذه القطاعات مستقبلاً من موقع الخبير وليس من موقع التابع.

تتداخل هذه الأبعاد الاقتصادية كلها مع جانب اجتماعي حساس، فكل توسع في حضور رأس المال الأجنبي وجماعاته المنظمة يخلق شبكة من المصالح المترابطة بينها، ومع عدم وجود سياسات واضحة لإشراك المواطن في الملكية وصنع القرار، يتعاظم شعوره بالتهميش في بلده، بينما يزداد الاعتماد على الجالية الهندية التي باتت حرفيا تتحكم في مسارات العمل والتجارة المحلية.

وتصاحب ذلك أبعاد سياسية تتعلق بآليات تسوية النزاعات الاستثمارية، فوجود مسارات تحكيم دولية سوف تقدم للمستثمر الهندي حماية إضافية، هذه الحماية قد تتحول إلى قيد على الدولة إذا رغبت يوماً في تعديل قوانين العمل أو الضرائب أو نسبة التعمين، لأن كل تعديل جوهري قد يُفسَّر بوصفه إضراراً بمصالح المستثمر، فتجد الحكومة نفسها أمام خيار صعب ومفصلي.

أعلم أن مقالاً كهذا لن يغيّر شيئاً من مسار هذه الاتفاقية، فهي نافذة الآن بقوة القانون والإعلان الرسمي، لكني مع ذلك أكتب بما يمليه علي ضميري، وأتمنى صدقاً أن يكون تحليلي هذا مخطئاً وأن تكشف السنوات عن واقع أفضل، غير أنّ المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة لا تشجع على مثل هذا التفاؤل، ولا تزال لدينا علامات استفهام كبرى حول حجم الفائدة التي ستعود على السلطنة من هذه الشراكة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights