الهوية بين الموروث والتجديد

المهلب بن علي المعيركي
“الهوية هي: ما نُورِّث لا ما نَرِث. ما نخترع لا ما نتذكر، الهوية هي فسادُ المرآة التي يجب أن نكسرها كلّما أعجبتنا الصورة!”
بهذا الاقتباس العميق، يقدّم الشاعر محمود درويش رؤيته للهوية بوصفها مشروعًا متحركًا ومتجددًا، لا صورة جامدة نكتفي بترديدها عبر الأجيال دون المساس بها.
فالهوية، في منظور الشاعر محمود درويش، فعل ابتكار وإبداع مستمر، يضع الإنسان أمام مسؤولية جسيمة في أن يضيف ويطور، لا أن يظل سجينًا لما ورثه من الماضي والركود فيه.
غير أن هذه الرؤية، على أهميتها، إلا أنّنا يجب أن نقوم بموازنة دقيقة، فالهوية اليوم، لا تُبنى من فراغ، بل تتكئ على تاريخ وثقافة وعادات وتقاليد، هي بمثابة الجذور التي تمنحها الثبات والعمق، ومن دون هذه الجذور، تتحول الهوية إلى مجرد قشرة هشّة قابلة للذوبان أمام العولمة والتحولات السريعة مما يفقد المجتمع أصالته وثقافته أمام الآخرين.
ولقد لخّص الحكماء ذلك بقولهم: “من ليس له ماضٍ، ليس له حاضر”. فالماضي ليس مجرد ذكريات، بل هو مخزون من القيم والتجارب، نستمد منه العبرة ونصوغ عبره حاضرنا، مع الحرص على ألا يتحول إلى عبء يقيّد تطورنا ويتعارض مع قيمنا الدينية.
الهوية تشبه شجرة اللبان الممتدّة بين الماضي والحاضر والمستقبل؛ جذورها متشبثة في التاريخ، وأغصانها متفتحة للحاضر، وثمارها تتجه إلى الغد تفوح بعبق الماضي والحاضر والمستقبل، فإذا أحسنّا رعايتها، على أُسس من التوازن بين الأصالة والتجديد، ستظل قادرة على مقاومة الرياح وحمل عبقنا الخاص للعالم.
ويبقى السؤال؛ هل نملك الشجاعه لكسر المرآة دون أن نكسر ذواتنا؟



