الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

غرباء ونحن اختلقنا الألفة

 

مَيّاء الصوافية

ليس كل من يأتيك كسحاب ماطر سيغيثك، وإن استبشرت بأول قطراته، وإن عانقت روحك نسماته، وفتحت له أشرعتك، وله لملمت تنهداك، وأخبرته بوجعك وهو كائن في مكانه يستقبلك يعطيك شيئا من اخضراره، والفرحة حينها ترفرف حولك؛ فمددت يدك ممسكا به جذلا، وهو يمشي على دربك، ويتمنى أن تشعر بأن ظله أمانك، وأن نوره ما هو إلا شرفة لحياتك؛ وفي حقيقة أمره أن نوره محدود حتى يأخذك إلى حلبته، ويصل إلى غاية دربه.

تريث قليلا لا تعطه كل اطمئنانك؛ فربما كان هذا غريبا، أو كضيف زائر يريد منك شيئا كلحظة حالية، ويتوسم منك الاحتواء لفترة زمنية مقاسة قصيرة لكنه ليس من منبت زرعك؛ فهو كعابر سبيل يستوجب عليك الإحسان إليه لحظة السفر إليك؛ فإن رحل فلا تجعل قلبك يرحل معه يتبعه حتى وإن حمل لك الورود في غلائله، وبسط لك سماء أقماره، وكانت سحائب ابتسامه في انتشاء تمطر ملامحك بأمطار الود، لكن في أعماقه أنك لست من جنسه؛ فهو لا يرغب فيك إلا في وقت حاجته إليك، وتفصح لك عن ذلك أفعاله إن نظرت إليها نظرة المتمعن، وليس نظرة المندهش المفتون؛ فخبايا الأفعال بريد الحقيقة وإن نمقها الظاهر.

العبرة أن الألفة تأتيك صادقة كالشمس في ساعات اليوم وفي منتهى ثوانية لا تحجبها غيوم البعد، ولا يغشى نورها

ترددات الظن، ظاهرها كباطنها ومحتواها كمغزاها، إلفة بين القلوب تحب لغيرها ما تحبه لنفسها في أستار الظلام، وأنوار الأيام.

هي ألفة كما هي تلف القلوب تضمها من صباح الأيام حتى غروبها لا تستريح عن ضمة قلب الصديق، هي ألفة أزهرتها الأفعال في منابت الوضوح، وفي ظلمات الشدة تجدها أمامك تلتف حولك إن أضناك الوجع، واحتبست منك الأنفاس، هي ألفة باقية بينكم برسوخ الأصل وإن غادرتَ ركبك فما زالت زمام المحبة مربوطة بهم تستظل بوفائهم، والميزان فيها ليس على طول المكوث إنما بالمنبت الوفيّ؛ فليس كل طويل العهد معك صديقا وليس بعيد الخطا عنك غريبا؛ لذا اسأل قلبك هل هو غريب فألفناه، وصار للروح صاحبا أم قريب اعتقدناه أليفا وهو عن ودِّنا صارم.

الأقوال لا تخبرك بالمعدن النفيس إن لم تعقبها الأفعال الصادقة؛ فالأفعال تبني الألفة بنمطها الظاهر والباطن، أما الأقوال فسيخبرك عن صدقها فلتات أفعالهم اللائقة وغير اللائقة وتنبئك بها عين الغضب بميزانها العادل؛ فهل ستأتي كما كانت كالقول عذبة، أم تعكرها عين الفعل الغاضب؟

ومن اتخذته أليفا… هل جعل جبين كرامتك ينعكس على جبين كرامته مراعاة واحتراما في كل قول وفعل، وهل وعوده كأقوال الملوك لا تثنيها مبررات، ولا تطغى عليها نرجسية الذات؟ إذن هو ليس بغريب وحق له أن تألفه، وإن كان غير ذلك فهو غريب تحت مسمى الصديق.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights