بيئة العمل بين الطموح والإحباط
ثاني بن مبارك الحبسي
تُعدّ بيئة العمل البيت الثاني للموظف؛ حيث الساعات الطوال التي يقضيها في أداء عمله بكل ما لديه من طاقة ونشاط، ويقضي أكثر أوقاته مع أشخاص تربطه بهم مصلحة العمل كفريق واحد. ولا تقتصر بيئة العمل على مجرد حضور وانصراف وأداء مهام؛ بل تتعدى ذلك لتشمل تحقيق النجاح، وإظهار الإبداع، وصقل ما لدى الموظف من مواهب وأفكار تخدم بيئة العمل.
ومن هنا، كان لا بد من إعطاء هذه البيئة الأهمية القصوى من جميع النواحي، لتوفير بنية تحتية قوية تتمثل في قوة الترابط والانسجام والتعاون بين جميع الأفراد بمختلف مستوياتهم ووظائفهم؛ فالجميع في نهاية المطاف يشكل فريقًا متكاملًا.
ومن الطبيعي أن نجد في بيئات العمل بعض الاختلافات في وجهات النظر حول ما يتعلق بمواضيع العمل، ما لم تُخلّ هذه الاختلافات بطبيعة العمل.
ولكن من المؤسف جدًا أن تتحول هذه الاختلافات إلى خلافات تكون غالبًا سببًا في حدوث فجوة، سواء بين الموظفين أم بين الموظف والمسؤول، مما ينتج عنه الإخلال بجودة العمل وتعطل المصالح التي من أجلها وُجدت تلك البيئة. وقد يصطدم أحيانًا الموظف مع مسؤوله بسبب أفكار يطرحها بهدف التغيير للأفضل والتطوير وتحسين بيئة العمل، فتقابل تلك الأفكار بالرفض من المسؤول، لا لشيء إلا لإظهار السلطة وفرض مبدأ السيطرة، رغم أن ذلك الرفض لا يخدم بيئة العمل مطلقًا.
وقد تظهر أحيانًا بعض التحزبات في بيئات العمل، يكون سببها أفكار واتجاهات معينة متعلقة بالعمل تتناقض مع الطرف الآخر، فتصبح تلك البيئة ذات قطبين متنافرين، وهذا مما لا ينبغي حدوثه في أي بيئة عمل؛ لما ينتج عنه من تعارض وخلافات وسلبيات لا تخدم الهدف الأسمى لتلك المؤسسة.
كذلك من الأمور المؤثرة سلبًا على بيئة العمل إدخال الخلافات الشخصية في الأمور المتعلقة بالعمل؛ فقد يرفض مسؤول ما مقترحات أحد موظفيه، أو يقوم موظف في قسم آخر بعرقلة مقترحات وأفكار تأتي من موظف بقسم آخر، أو يضيّق على موظف داخل بيئة عمله بسبب خلافات شخصية أو تعارض في وجهات النظر، فيعمد ذلك الطرف إلى التشفي أو الانتقام – إن جاز التعبير – لحسابات شخصية، تكون ضحيتها العمل. علمًا أن تلك التصرفات ترفضها جميع الأنظمة والقوانين والأعراف.
جميع تلك الأسباب وغيرها تصنع بيئة منفّرة لكل موظف طموح قادر على الإبداع والعطاء، وكل تلك التصرفات الخارجة عن النهج الصحيح في بيئة العمل ستوقف حتمًا عجلة التطوير والإنجاز والتقدم.
أخبرني أحدهم أنه تقدم بطلب نقل من مكان عمله إلى بيئة عمل أخرى، وعندما سألته عن السبب، ذكر عدم ارتياحه وشعوره بالنفور من تلك البيئة بسبب خلاف مع مسؤوله.
وذكر آخر أنه يشعر بثقل كبير عند الذهاب إلى مقر عمله، وأنه ينوي الانتقال إلى بيئة عمل أخرى؛ والسبب شعوره بالتضييق عليه أثناء أداء عمله، وكثرة التصادم مع مسؤوله لأسباب كان بإمكان المسؤول تجاوزها.
وآخر ينتظر انتهاء سنوات خدمته على أحرّ من الجمر – كما يقول – للأسباب المذكورة سابقًا، والتي تجعل من بيئة العمل بيئة طاردة ومنفّرة لكل موظف مبدع ومخلص. والكثير من هذه النماذج والقصص تتردد بين الحين والآخر على ألسنة أصحابها، هذا عدا عن النماذج الأخرى التي يرويها بعض الأشخاص عن آخرين مقرّبين لديهم في بيئات عمل مختلفة.
عندما تكون بيئة العمل مكانًا بهذا المستوى من النفور بسبب أخطاء يرتكبها البعض لنزوات وأحقاد شخصية لا يراعون فيها مصلحة العمل، فإن تلك البيئة ستفقد قابلية الاستمرار، وستكون غير مشجعة وطاردة للعقول المبدعة والمخلصة.
ومن خلال ما سبق، يمكن تلخيص هذا المقال في عدة نقاط مهمة، وهي كالآتي:
• يجب أن تكون بيئة العمل مكانًا يشعر فيه الموظف بالارتياح؛ ليتمكن من العطاء بكل ما أوتي من طاقة ونشاط.
• لا ينبغي إدخال الخلافات الشخصية بين الموظفين في بيئة العمل؛ حتى لا يؤثر ذلك سلبًا على طبيعة العمل، بل يجب الفصل بين الخلافات الشخصية وبيئة العمل.
• على المسؤول أن يدرك أن المسؤولية لا تتمثل في التضييق على موظفيه وفرض السلطة بالقوة، بل في تشجيعهم، والأخذ بأيديهم، وتحفيزهم، وتكريمهم بما يتوفر من إمكانات.
• حب الموظف لبيئة عمله يعكس مدى ارتياحه وشعوره بالسعادة فيها، والعكس صحيح.
• يجب على الإدارة والمسؤولين استثمار قدرات الموظف المتميز ذي الأفكار المبدعة والعقلية الفذّة؛ فمثل هذا الموظف يُعد كنزًا لا ينبغي التفريط فيه أو تهميشه، فهؤلاء هم أساس التطور والنماء.
• ينبغي أن تكون بيئة العمل فريقًا متكاملًا، يكمل كل فرد فيه الآخر.
• الموظف أو المسؤول الإيجابي المتميز بتعاونه وحسن تعامله مع الآخرين سيفتقده الجميع عند رحيله، وسيترك فراغًا ملحوظًا، أما الشخص السلبي فسيشعر الجميع بالارتياح بعد رحيله.
• ينبغي أن تكون بيئة العمل مكانًا جامعًا للعقول، ومصنعًا للأفكار، ومصبًا للإبداعات، وملاذًا للمواهب، لا أن تكون بيئة طاردة لكل تلك الأشياء الثمينة.
وعمومًا، فإن نجاح أي بيئة عمل يعكس طبيعة العقليات الإدارية فيها، ومدى حسن إدارتها، كما يعكس قوة الترابط والتفاهم والانسجام والتعاون بين جميع أفراد تلك المؤسسة.



