أثر يبقى في القلوب ..

محمد بن سعيد العلوي
بشارة ربانية ..
يعيش الإنسان في رحلة طويلة بين أيامه ولياليه، يتقلّب فيها بين طاعة ومعصية، بين عمل يرفع مقامه عند الله، وآخر قد يثقّل كاهله بالذنوب. وبين هذا وذاك، تبقى رحمة الله الواسعة هي الملجأ، وتبقى الإشارات الربانية التي يُرسلها الله لعباده علامات مضيئة في دروب الحياة.
ومن أعظم هذه الإشارات أن يجد العبد نفسه مُيسَّراً لأعمال الخير، مُسهَّلاً له طريق الطاعات، محفوظاً بحفظ الله من موارد السوء ومواطن الضرر.. تلك ـ بلا شك ـ بشارة من الله، ورسالة خفية يبعثها لعباده ليطمئنوا أن عاقبتهم خير.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: 5-7].
الخير في تفاصيل الحياة ..
المؤمن حين ينظر في حياته اليومية ويجد نفسه يلتقط بحسٍّ مرهف مواطن الخير، ويحرص على بذل المعروف للناس، ويشعر أن قلبه لا يهدأ حتى يُدخل السرور على من حوله؛ فإنه يدرك أن هذا التوفيق ليس وليد الصدفة.. بل هو عطية ربانية، ورحمة خاصة، يختص الله بها من شاء من عباده.
وقد قال النبي ﷺ: «أحبُّ الناسِ إلى الله أنفعُهم للناسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى الله سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، أو تكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضي عنه دَينًا، أو تطرد عنه جوعًا» [رواه الطبراني].
وليس الخير مقصوراً على العبادات الظاهرة كالصلاة والصيام والزكاة، بل يشمل أبسط التفاصيل: كلمة طيبة، ابتسامة، عون لمحتاج، أو دعاء صادق في جوف الليل لشخص غاب عن العين لكنه حاضر في القلب.
قال رسول الله ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة» [رواه البخاري ومسلم].
أثر باقٍ ..
وما أجمل أن يكون للإنسان أثر باقٍ في القلوب! فالحياة قصيرة مهما طالت، وأعمارنا تتناقص مع كل يوم يمر، لكن الخير الذي نزرعه يبقى، وقد يثمر بعد رحيلنا بسنوات طويلة.. وربما دعوة صادقة من قلب طفل صغير أو محتاج فرّجت عنه كربة، تكون سبباً في رفع الدرجات يوم القيامة.
لذلك قالوا قديماً: ازرع جميلاً ولو في غير موضعه، فلن يضيع جميل أينما زُرع.
إن البشرى العظمى التي يحملها هذا المعنى، أن الخير علامة العاقبة الحسنة. فالله إذا أحب عبداً وفّقه لما ينفعه، وحماه مما يضره.. وإذا رأى العبد نفسه محفوظاً من الخطايا، مصروفاً عنها دون حول منه ولا قوة، فليعلم أن الله أراد به خيراً عظيماً.
قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله بعبدٍ خيراً استعمله». قالوا: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: «يوفّقه لعمل صالح قبل موته» [رواه أحمد].
نور في زمن الضجيج ..
ولعل أعظم ما يحتاجه إنسان هذا العصر، في ظل صخب الحياة وضغوطها، هو أن يستعيد هذا المعنى: أن يعيش ليصنع أثراً طيباً في القلوب.
نحن في زمن يكثر فيه الضجيج وتغيب فيه المعاني الصافية، لكن بوسع كل واحدٍ منا أن يكون مصدراً لنور خفي، يضيء للآخرين طريقهم دون أن يدري. وما أروع أن يُقال عن المرء بعد رحيله: لقد كان سبباً في فرحٍ، وملاذاً في ضيقٍ، ورحماً واسعاً لكل من قصده .
رسالة أخيرة ..
فلنجعل من أيامنا فرصاً متجددة لنشر الخير، ولنكن بلسماً للآخرين، نزرع في قلوبهم أملاً ونمسح عنهم حزناً، ونترك أثراً جميلاً لا تمحوه السنون.
اللهم اجعلنا من الذين يسوقهم توفيقك إلى الطاعات سوقاً كريماً، واحفظنا من الشرور ما ظهر منها وما بطن، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.
اللهم ارزقنا لذة زراعة الفرح في قلوب الناس، ووفّقنا لنكون سبباً في ابتسامة تُرسم على وجه كل من نحب، بل على وجه كل إنسان نلتقيه في هذه الحياة. واجعل ذلك لنا ذخراً في الدنيا، ونوراً في الآخرة.



