حين تكون الأم أُمّة .. ( اللابوبو .. أول معركة وعي)
عيدة بنت عبيد المعمرية
لم يكن الأمر مجرد “لعبة”.. كان اختبارًا صغيرًا لغريزتي كأم، واختبارًا أكبر لعقلي ووعيي.
دخلت تلك اللعبة الغريبة — اللابوبو — إلى بيوت كثيرة، ضاحكة الشكل، لكنها باكية المعنى.
وبينما الأطفال يرددون اسمها دون فهم، كان قلبي يقول لي:
“توقفي هنا… وارفعي سيف الوعي.”
نعم، منعتها.
لم أسمح للابوبو أن تدخل بيتي.
ليس لأنني أحب أن أقول “لا”،
بل لأنني أحب أطفالي بما يكفي كي لا أتركهم يسيرون خلف كل قطيع يصرخ بـ”واكبوا الترند!”
لكنني لم أكتفِ بالمنع.
جلست مع أبنائي، وشرحت.
لأني لا أربيهم على الطاعة العمياء، بل على التفكير الحرّ.
قلت لهم:
“ليست كل لعبة لعبة…
وليس كل ما يضحك يُفرح…
وليس كل ما يُتابع، يُناسب.”
في زمن الترندات…
أصبح “الكل يلعبها” سببًا كافيًا للانجرار،
وأصبح “اللي يضحك” مسموحًا، حتى لو حمل رموزًا مشوهة،
وأصبح “خليهم يفرحون” حجة لتغذية عقولهم بالسطحية، والتفاهة، والبلادة.
أنا لست ضد الفرح.
أنا فقط لا أريده مغلفًا بالسُّم.
حين وُجهت إليّ الاتهامات…
رُميتُ باتهامات مؤلمة.
قيل لي:
“أنتِ قسَوتِ عليهم”
“ضيّعتِ براءتهم”
“طفولتهم ناقصة بدون ما يعيشون مثل باقي الأطفال”
“ليش تعقدينهم؟ كل شيء صار ممنوع في بيتكم!”
كانت هذه الكلمات تمر على قلبي مثل السهام.
لكنني لم أرتبك.
لأنني أعلم تمامًا:
أنا لم أضِع طفولتهم… بل حميتُها من الضياع.
أنا لم أُطفئ ضحكتهم… بل أطفأت ضحكةً مسمومةً كانت تتخفّى في لعبة أو ترند أو مشهد.
أنا لم أُعقّدهم… بل علّمتهم أن الفرح لا يُقاس بعدد الألعاب ولا بلون الصرعات، بل بصفاء العقل، ونظافة القلب، ووعي الاختيار.
يا أمهات اليوم…
لستم مجبرات على أن تواكبن كل شيء كي لا تُتهمن بالقسوة.
أن تكوني “أمة” لا يعني أن تكوني تابعًا لما يُملى عليك.
بل أن تكوني قاعدة، صانعة قرار، واعية،
تحمين أبناءكِ لا بعزلهم… بل ببناء درع داخلي فيهم اسمه: الوعي.
طفلك إذا لم تفهميه “لماذا لا”،
سيبكي على ما حُرم،
لكن إذا شرحتي له،
سيكبر شجاعًا، حرًّا، مختلفًا عن القطيع.
أنا لم أقمَع طفولتهم…
بل أنقذتها من أن تُباع في سوق الترندات بثمن “الرضا المجتمعي”.
لم أحرِمهم من الفرح،
بل علّمتهم أن يختاروا الفرح الحقيقي، لا المزيف.
الخاتمة:
حين تكون الأم “أمة”، لا تكتفي بأن تُنجب… بل تبني.
وحين منعت أبنائي من الأبوبو، ورفضت الترندات السخيفة،
كنتُ أقول للعالم:
“أنا هنا… ولن أربي أولادي ليكونوا صورة مكررة من الجميع.”
قد يتهمونني بالقسوة…
لكنهم يومًا ما، سيشكرونني على أنني لم أكن أمًّا خائفة…
بل كنتُ أُمّة تقود.



