ليتنا لم نكبر.
شمسه الرحبية
عبارة صرنا نرددها كثيرا عندما تعدينا الثلاثين ربيعا، وربما قالها بعضهم عندما عصفت به رياح الحياة القوية بين لجات وأمواج الصعاب المتتالية… “نعم، ليتنا لم نكبر”.
فما أجمل الطفولة التي كنا نعيشها.. وما أجمل تلك الظروف التي مرررنا بها وإن كانت صعبة في أحيانٍ كثيرة…! كبرنا وتعلمنا.. بل أيقنا أن الطفولة مرحلة جميلة وتظل محفورة في جدران ذاكرتنا.. كيف لا وأمي كانت كل شيء بالنسبة لنا… كانت عند حلول الظلام تشعل لنا السراج أو ما يسمى “القنديل” ونجتمع داخل الخيمة الصغيرة التي صنعها لنا أبي من الخشب.. وتحكي لنا حكايتها الجميلة بصوتها العذب الحنون.. ثم ننام بجانبها وكأنها طائر يكتنف تحت أجنحة صغاره.. بل كزهرة جميلة تطبق ورداتها على بعضها عند حلول الظلام… لا أنسى عندما كنت أقبل أمي وتقبلني على فراش النوم الذي كان قطعة من القماش أو ما نسميه “البرنوص” في لهجتنا الدارجة. كنت أقولها “أمي رائحتك جميلة”. لم تتعطر أمي يوما بالروائح الغالية والماركات الجميلة.. ولم تعرف مساحيق التجميل.. كانت رائحتها “الورس والصندل” الذي كانت تدهن به وجهها كل ليلة قبل النوم؛ ليضفي على وجهها إشراقة وبريق… كبرنا وتغير كل شيء.. رحلت أمي ورحل معها كل شي جميل… رحلت أمي وتفرقنا.. رحلت أمي وتغير البيت فلم يعد صوت الحنان والحب.. وتفرقنا منه.. تغير كل شيء ولم يبقَ يجمعنا كما كنا.. بقي البيت ينزف جرحا.. وجدرانه تئن شوقا. عشرون سنة مرت وربما أكثر. ولا زالت تفاصيل رحيل أمي عالقة في ذهني.. لا زال حديثها وصوتها.. لا زالت صورة نعشها تمر أمام عيني؛ فيفز قلبي بين ضلوعي وتتحجر الدمعة في عيني.. آه يا أمااااه لم نعد أنا وأخواتي نتسابق إلى حضنك.. لم نعد نتشاجر لمن منا تأخذ قطعة القماش الأكثر تطريزا لنفسها.. لم نعد نتقاسم رغيف الخبز الذي تعديه كل مساء. رحلتي ياجنتي إلى جنة عرضها السموات والأرض.. إلى ربا اختارك لتكوني بجواره.. رحلت وتفرقنا وبقي دعاؤنا لك بالرحمة والمغفرة.. وأن يجمعنا الله بك في جنة الفردوس حيث النعيم الذي لا يفنى… ولا زلنا نقول؛ “ليتنا لم نكبر…”



