الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

النقد وصنع الذات المفكرة

بقلم : أنوار بنت خالد البرختية

هناك دافع في داخل كل ذات بشرية تدفعه نحو الاستمرار في خوض النقاش والسؤال والتساؤل المستمر حول الأمور من حوله، غالبًا ما ترى أن كل شخص مستقل برؤيته ونظرته نحوها، يطلق حكمًا، ويبدي رأيًا وينتقد حدثًا؛ بناءً على معرفته المكونة لهويته.

توجد علاقة تجمع بين هوية الفرد والنقد، وحقيقةً فإن الهوية لا تكون إلا ذائبة في النقد، حيث لا يمكن الإمساك بهوية الأشياء بعيدًا عن النقد؛ لأنه هو الذي يميزها عمن سواها، وذلك ما نراه أننا ننتقد أمرًا بذكر محاسنه أو مساوئه أو التحدث عنه كمحاولة لتمييز هويته، وهنا تأتي ثقافة السؤال؛ السؤال كاعتراض وبحث عن المعنى، فالسؤال ملازم للإنسان منذ صغره، ومن خلاله أدركنا ما حوله، وفهمناه، وأحسسنا بمعنى الأشياء، ومن الأسئلة يبدأ فهم الواقع والصدام معه، سواء في صورة جدل، قلق، خوف، صراع أو نقد.

ما هو النقد؟
ليس للنقد تعريف محدد يلزم منّا تحديده، ولكن يعبر عنه إجرائيًا على أنه: عملية فحص المعرفة بغرض التمييز فيها بين الصحيح والخاطئ، وهذا التمييز يقتضي فيه المعرفة السابقة الصحيحة من قبل الناقد والذي يتخذ من خلالها أداة لتقييم معرفة جديدة. حيث لا يسعني إلا أن أقول: إن النقد ما هو إلا موازاة عن التفكير والإبداع.[1]

كما أن النقد ليس عملية عشوائية، له آداب وشروط تستلزم في نفس الناقد؛ وذلك في أن يكون آمنا في النقد، الدقة في الحكم والتزام الأدب. [2] بالإضافة إلى أن النقد له نواحي متعددة، ويدخل في العلوم والفنون، على الفرد نفسه وعلى الجماعة، على الأحكام والمعتقدات وغيرها الكثير العديد، ولكن ما سيركز عليه هنا هو النقد اليومي وتأثير هذا النقد في الشخص نفسه.

تنتقل جوديث بتلر بالنقد مسافة للأمام عندما تناقش؛ كيف أن النقد يصنع الذات ويشكلها ؟ [3]، فالنقد ممارسة صعبة الحصر والتعريف في معنى يصفه أو مجمل يُعبِّر عنه، وهو فلسفة تختلف من أحدٍ لآخر، تحكمه هوية الشخص وكل ما يؤثر ويشكل هذه الهوية، وهو يعد عملية مقاومة للمعرفة وفضيلة عدم الامتثال، والتفكير بطريقة مختلفة، وهنا جوهر النقد.

النقد مَلكَة وممارسة تكتسب أهميتها ومكانتها من التحديات التي نواجهها في حياتنا اليومية، وما هو إلا فحص حر لا يأخذ بأي إقرار دون التساؤل أولًا عن قيمة هذا الإقرار. وما النقد إلا متضمن في حواراتنا ونقاشنا وفي الردود والجدل والندوات والدروس والمقالات والكتب والخصومات والتحزبات والنزاعات التي تكسب طابع الفكر، وهذا التخصيص بالفكر يقودنا إلى التمييز بين ما هو فكر وما هو غير ذلك، حيث إن النقد يكاد يكون الوجه الآخر للفكر الذي يتحدد ضابطه بالتعقل والإدراك والمعرفة، فالفكر هو التعقل والإدراك لفهم ما يشكل مادة المعرفة [4].

كما لا نغفل عن وجود اختلاف بين الذات المفكرة وما يسمى فكر، فالذي لا نكاد نشعر به بينهما عندما نمارس الرياضة أو نتذوق قطعة موسيقية، فذلك لا يمنع من أن يكون لدينا جدل حول عمل موسيقي معين، أو البحث وراء استخدام تصميم معين، أو وصف لعمل فني معين مثلًا حول الأفلام والمسلسلات؛ لأنها تصل لكل فئات المجتمع حول العالم، ولها القدرة على غرس أفكارها فيهم، فما لم يكن للمشاهد حس النقد ستشكل الأفلام والمسلسلات تفكيره وثقافته وتغيِّر منها بطريقة ليس بالضرورة أن تكون صحيحة؛ كالأفلام والمسلسلات التاريخية، التي قد تميل إلى رواية التاريخ من المنظور الذي يخدم ويخرج تاريخ بلاده على أنه الأقوى والأفضل، وعلى ذلك تترسخ الفكرة في بال المشاهد ويؤمن بها ويورثها لأبنائه أو ينقلها لأصحابه.

وهناك مثال آخر لحذاء سبب ضجة في وسائل التواصل الاجتماعي، والسبب هو أن شركة الأحذية Puma استوحت تصميم أحد أحذيتها بطريقة تستوحي ملامح الزعيم الألماني هتلر، تحديدًا في تسريحة الشعر وشكل شاربه الشهير. [4]

نقد الفكر يتولد من الانتقالات بين الذات والموضوع، فطابع الاضطراب والصيرورة في الفكر يجعل النقد جسر يربط الفكر بالواقع، والذي ينتج عنه إصلاح كل من الفكر والواقع، فالتوسط بين الفكر والنقد يجعل طرح القضية مُلِحًا، إذ إن الأحكام والمعرفة السابقة لدى الناقد تقلل من فاعلية هذا التوسط، خصوصًا أننا نعلم بأن المعرفة السابقة هي أحد مكونات الفكر، والنقد لا يستغني عن المعرفة السابقة؛ بل يتكئ عليها وعلى ما وراءها من ثقافة ودوافع، ومن هنا تظهر الحاجة لمعرفة محايدة، حيث إن هذه المعرفة المحايدة ستكون هي منهج النقد.

كما يشكل التفكير السالب – أو النافي – اتصالا كبيرا بالنقد، وهو نوع من التفكير يتأصل في ذواتنا، حيث يتمثل في إثارة الجدل بين قضية أو أمر نعرف مزاياه، أو ظاهره، وصدقه، ولكننا لا نسلِّم به قبولًا، بل نضع بين ما نتلقاه وبين تقبله حاجز صد لا يأخذ كل أمر على محمل الصحة بل يناقضه ويبحث فيه وفي خباياه من خلال فرض نقيضه، ونستطيع القول أن السلب مفهوم منطقي يستدعي حالة النفس في التعامل مع الأفكار والوقائع والتصورات المطروحة عند تعاملنا معها بالتوقف وهلةً، والنظر إليها على أن عملية تقبلها لم تتم، وهي في قائمة الانتظار، فتَقَبُّل الأفكار مباشرة سهل للغاية، غير مكلف على ذات المتلقي ولا يشغله، أما التفكير النافي ليس بالأمر السهل بل يحتاج إلى نفس، تبتعد عن ذاتية المعرفة السابقة التي تملأ الذات وتتوجه نحو اختبارها من مبدأ آخر، ووجهة نظر أخرى، ومنظومة أخرى، ولكن هل من الممكن أن يتأصل النقد في ذات الإنسان ويأخذ منحى سلبي؟ كأن يبالغ في النقد ويصبح عادة في ذاته وعليه يستقبح كل شيء لكونه ناقد؟ هنا لابد أن ينظر للنقد بموضوعية وأخذه من زاوية تنعم بالنفع والتحسين والتطوير.

الاكتفاء بالذات قاتل للنقد، ونفي الذات مولِّد ومنتج للنقد.[5] فالنفي يراكم التغييرات وينتج عنه الاستعداد المستمر نحو التفكير النافي، وكل هذه التغييرات الجزئية البسيطة تصنع ناتجا نهائيا ملموسا ينتج عنه تحول كبير في حياة الشخص نفسه وبالمثل بالنسبة للجماعة. فلا نعارض كون النقد مفتاح صنع الذات الجديدة، وذلك ما نلتمسه من نقد ذواتنا. نقد الذات يبدأ باستيعاب جوانب الإنسان نفسه بتحديدها ثم النظر إليها والتعقيب عليها، فإن كانت سيئة تم النظر إليها وحلها، وإن كانت مخبأة تم إيجاد مخرج لها وتنميتها، وإن كانت حسنة تم تطويرها وتحسينها واستغلالها جيدًا، وفي كل مرة يرى الإنسان ذاته أفضل عما سبقها، يشعر بالتحسن والتجدد، يستمر نحو الإبداع والمضي قدمًا، يُقدِّم فكر الشخص للأمام وينير جانبه الإبداعي، وهكذا بالمثل ينطبق حول النقاش والحوار والأحداث من حوله، فيبدأ من ذاته على مستواها الداخلي ثم يبدأ بالخروج والانطلاق بالذات للمستوى الخارجي؛ بمعاملاته مع من حوله، في العمل، اتخاذ القرارات، إبداء الرأي وغيرها.

عبر النقد يستطيع الإنسان أن يرى نفسه في الموضوع، ويشاهد الموضوع فيه، هو نوع من أنواع التذوق والاختبار، ينتهي بحكم جمالي وقيمي يظهر الموضوع في الذات، وعلى ذلك يشكل قناعة جديدة بأهمية التغيير، وتكوين مكوّن جديد في الذات محل مكوّن قديم سيتم تجاوزه أو التخلص منه.
لا يخفى علينا أن النقد يعمل ضمن معطيات نشأنا عليها، فكل من مؤسسات التربية كالأسرة والمدرسة والمسجد وجماعة الرفاق وغيرها كانت مصدر تشكيل ثقافتنا وهويتنا، ولم نكن إلا محصورين ضمن نطاق معين، قد يضيق علينا ما لم نستغل التفكير فيما أخذناه دون سؤال، وتقبلناه دون تفكير، فيما قد يتحكم في ذواتنا وفكرنا بشكل غير مباشر ونظل في حصاره؛ على الرغم من أنه ليس قاعدة يُتَكأ عليها، فالنقد يعمل في ظل فضاء كهذا؛ ضمن علاقات وفرضيات مسبقة، قائمة وتفرض محدداتها في النقد، ولكنه يسهم بدرجة كبيرة في نهوض الذات الإنسانية وتغيُّر اهتماماتها وعدم وضع جُل اهتمامها بما هو موجود ومعروف فقط، بل السعي خلف الأشياء والتفكير مليًا فيها بعقلانية ومنطقية، تحس فيها الذات أنها مستقلة، تقبل ما تشاء وفوق ما تتناسب مع طبيعتها وتترك ما تراه غير مقنع، فليس من الضروري الانجرار خلف الأحداث وخلف ما يصنعه المحيط دون تفكر وعقلانية فيه، كأن يسأل أحدهم نفسه: هل الآباء يعتبرون الأبناء كأحد الإنجازات؟
فهنا ما السبب الذي جعل هذا السؤال يخطر على بال السائل؟ وهل يثير جدلًا فكريًا فيه؟ رغم أنه يضع بعين الاعتبار أن إجابة السؤال متفاوتة ومختلفة بين الآباء، فقد يعد بعض الآباء أن الأبناء أحد الإنجازات نعم، وبعضهم الآخر العكس، وقد تكون أسباب الفريق المؤيد من الآباء مختلفة بين بعضهم رغم أنهم يرونه إنجازا!، كأن يعيد بعضهم السبب إلى الإنجاب كإنجاز، وبعضهم قد يراه إنجازا في التربية، وآخرون يرونه إنجازا من جانب تفوقهم الدراسي وغيره، وهكذا فكل هذه الاحتمالات جاءت مختلفة عن الأخرى ضمن قضية أو تساؤل عادي في نظر بعضهم وقد لا يخطر على بال بعضهم ولكنه على الجانب الآخر قد يشغل بال مفكر، إنسان عادي، ناقد أو باحث نفسي.

وفي ظل كل ذلك فإن الحديث في النقد لن ينتهي وحصره وإدراكه صعب، فهو عملية تتم بين ذات الإنسان وما حوله من أفكار وحوار ونقاش وجدل، وما هو إلا خوض الفكر في ماهية ما حوله، وفيما اعتاد على تقبله، وفيما بنى عليه رأيه بناءً على ثقافة اكتسبها، والسؤال سيبقى ويظل: كيف يختلف الإنسان ذو العقل الناقد عن غيره ممن حوله؟ وإلى أين سيصل؟ وإلى أي مدى سيختلف عن سواه؟

المراجع
[3] [1]العجمي, م. (2019). داخل العقل النقدي. لبنان – بيروت: دار سؤال للنشر.
[2] عبدالكريم, د. ب. (2021, فبراير 15). أصول وآداب النقد. Retrieved from الألوة الشرعية: https://www.alukah.net/sharia/0/42320
[4] ما علاقة هتلر بحذاء بوما الجديد؟. (2021م, فبراير 15). Retrieved from سيدي: https://www.sayidy.net/article/155992/%D8%A3%D9%86%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AC%D9%84/%D9%85%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D9%87%D8%AA%D9%84%D8%B1-%D8%A8%D8%AD%D8%B0%D8%A7%D8%A1-%D8%A8%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights