ثمنُ التراب

صالح بن ناصر المحروقي
في عام 1848، ركض رجل في شوارع سان فرانسيسكو حاملاً زجاجة مليئة بغبار الذهب وهو يصيح: ذهب.. ذهب في نهر الأمريكان!. كان ذلك الرجل هو سام برانان، الذي لم يحمل معولاً ليحفر به الأرض، بل سارع لشراء كل الفؤوس والمجارف المتاحة في المنطقة ليبيعها للمنقبين بأسعار فلكية. وهكذا، وبذكاء تجاري منقطع النظير، حقق برانان نجاحاً ساحقاً جعله أول مليونير في تاريخ كاليفورنيا، وامتلك الصحف والعقارات حتى صار كأنه مالك المدينة بأسرها.
لكن هذا النجاح الساحق لم يصمد أمام أعاصير الحياة؛ فبسبب دعوى طلاق قاسية وتبخر أمواله في استثمارات خاسرة، انتهى به المطاف وحيداً ومعدماً. وبقي جثمانه ملقى في قبو بارد لسنة ونصف، لأن أحداً من أهله أو معارفه لم يرغب في دفع ثمن القبر الذي سيواريه، حتى ابنه لم يتقدم لستر جثمان والده إلا بعد انقضاء تلك المدة الطويلة. إن هذا الجفاء الذي حصده برانان في نهايته يفتح الباب واسعاً أمام تشريح واحد من أخطر المفاهيم المغلوطة في مجتمعاتنا، وهو ذلك الخلط الفادح بين الرعاية والتربية.
يتجلى هذا المطب حين يغرق الآباء اليوم في توفير سبل العيش لأبنائهم ويغفلون عن جوهر التربية، ظناً منهم أن تأمين المتطلبات المادية هو غاية المراد ومنتهى الأمانة. فالرعاية في حقيقتها هي تأمين الخبز والكساء وأرقى المدارس، وهو واجب مادي تؤديه حتى الكائنات الأدنى لصغارها بغريزة البقاء، لتبقى في جوهرها مجرد تلبية لحاجات الجسد وضمان للعيش المادي الصرف.
أما التربية فهي الاستثمار الوجداني العميق الذي يتجاوز حدود المادة؛ هي الكلمة الحانية، والحضن الدافئ، والحضور الروحي الذي يحتوي قلق الأبناء قبل جوع أجسادهم. إنها عملية غرس للقيم في تربة النفس، وبناء للذاكرة العاطفية التي سيتكئ عليها الأبناء حين تذبل الأجساد، وبدون هذا الاستثمار يتحول دور الأب من مربٍ يسكن الوجدان إلى مجرد ممول يغيب خلف سداد فواتير الرفاهية العابرة.
وحين يكتفي الآباء بملء حساباتهم البنكية في ظل جفاء مشاعرهم تجاه أبنائهم، فهم يبنون دون وعي جدراناً عازلة بينهم وبين فلذات أكبادهم، فالمشاعر التي لا تُبذر في الصغر، لا تُحصد وفاءً عند الكبر. والابن الذي لم يشبع من أب يراه قلبه، لن يجد في نفسه دافعاً للوفاء لصراف آلي غادر الحياة، ولعل مماطلة ابن برانان في دفن أبيه لم تكن إلا الصدى الحزين لسنوات الجفاء التي عاشها الأب في ذروة نجاحه الساحق، مما يؤكد أن العلاقات الإنسانية لا تُبنى بالذهب بل بالود.
يمتد هذا الدرس ليتجاوز حدود البيت ويشمل الأقارب والأصدقاء؛ فالإنسان كائن وجداني بامتياز، وعلاقاته هي رصيده الحقيقي الذي يلجأ إليه عند الشدائد. ولقد لخص القرآن الكريم هذه الحقيقة الاجتماعية حين خاطب الله نبيه الكريم: ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك. فإذا كان سيد البشر، المؤيد بالوحي، يمكن أن ينفض الناس عنه لو كان جاف القلب، فكيف بنا نحن في صراعاتنا الصغيرة؟ إن الغلظة والجفاء في التعامل تكسر أواصر القربى وتفرق الجمع، مهما كانت المصلحة المادية التي تربطنا بالآخرين قوية.
إن الركون إلى الاستثمار المهني والمادي على حساب الاستثمار العاطفي هو مقامرة خاسرة بالمعنى الإنساني؛ ففي نهاية المطاف، لن يتذكرك الناس بالشركات التي بنيتها ولا بالصفقات التي ربحتها، بل ستذكرك القلوب التي جبرت كسرها، والعيون التي مسحت دمعتها، والعقول التي أنرت دربها. الاستثمار في القلب هو التجارة التي لا تبور، لأن ثمارها تجنى في الدنيا مودة ووفاءً، وفي الآخرة أجراً وذكراً حسناً، وهي الضمانة الوحيدة لكي لا ينتهي المرء غريباً في موطنه وبين أهله.
فانظر في رصيدك الوجداني قبل فوات الأوان، كي لا تجد نفسك يوماً مثل سام برانان؛ ذلك الرجل الذي قضى حياته يبيع أدوات الحفر لآلاف البشر ليجمع الذهب، لكنه حين رحل، لم يجد في قلوب من حوله من يحمل معولاً واحداً ليحفر له قبراً يواريه.


