مقال: أرباب بقشيش

د.خالد بن علي الخوالدي
لا أدري هي بقشيش أو بخشيش أو لها مصطلح وكلمة أخرى في مكان آخر، ولا أدري متى دخلت علينا هذه الثقافة البائسة؟ ومن أدخلها بالضبط؟ وهل هي أفريقية أو أسيوية؟ وما أعرفه أنها أذا استمرت سوف تكون ثقافة عامة لشعبنا، ورويداً رويداً ستدخل عادات وممارسات مختلفة أخرى إلى أوساط مجتمعنا ونتيجة تقبلها من المجتمع وتساهلهم لها تصبح عادة وثقافة لا يمكن محاربتها أو التخلص منها.
فقبل سنوات دخلت عادة سيئة (الرشوة) إلى مجتمعنا وأصبحت تمارس على مستوى كبير وظاهر بعض الأحيان واعتاد البعض عليها رغم أنها حرام شرعا، وأصبح يتداول بين الناس إذا لم تقدم رشوة إلى الموظف الفلاني في المؤسسة الفلانية فأن معاملتك سترفض أو سيكون محلها الأدراج حتى تدفع، وآمن عدد من الناس بهذه الثقافة البائسة والمدمرة والمخربة، وتمسك الموظفون المرتشون بمواقفهم الصارمة والمتعنتة في رفض معاملات بعينها أو تأجيلها وتأخيرها حتى يضطر المراجع الغافل والمحتاج إلى دفع الرشوة، وأذكر مرة أني أنزلت عاملا أسيويا يعمل مع أبي في الطريق بعد أن طلب مني إدخال عشرة ريالات في معاملته التي كنت ذاهبا لإنهائها حتى لا تتوقف، أنزلته وغضبت عليه لأني استهجنت الأسلوب الرخيص والدفع بي إلى الرشوة وإن كانت بسيطة.
والرشوة يا سادة أصبحت سرطان ينهش في أركان المؤسسات والمجتمع نهشا قاتلا دون رقيب أو حسيب فمن أمن العقوبة أساء الأدب كما يقال، وها هي (أرباب بقشيش) تنتشر انتشار النار في الهشيم، والأساليب كثيرة ومتنوعة ويتفنن فيها العمال (……) باقتدار، ونتعاطف معهم ونتساهل بحجة أنها (200) بيسة و(500) بيسة مبلغ زهيد ولا يقدم ولا يؤخر بالنسبة لنا، ونسينا وتناسينا أن هذه الممارسات اليومية تتحول إلى عادات وتتحول فيما بعد إلى ثقافات عامة تميز مجتمع عن آخر، فهل نرضى لمجتمعنا بعد سنوات أن يعبث فيه العابثون والمتسلقون والمتسولون والمرتشون؟وهل نرضى التنازل عن قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا الأصيلة؟ ومن سيعذرنا عندما نورث أجيالنا المستقبلية عادات وتقاليد بالية ومنحطة كمثل هذه العادات؟ وماذا سنستفيد عندما يقال عنا أننا طيبون ومحترمون وننحن نتنازل يوما بعد يوم عن قيمنا ولا نعارض مثل هذه التصرفات؟
وتصرفات هذه الفئات لا تخفى على كل ذو لب، والمصيبة الأعظم أن بعض الأعمال هي من صميم عملهم فمثلا رحت المسلخ المركزي والعامل قام بحمل اللحم إلى السيارة بدون مشورة مني لأن هذا جزء من عمله ولما وصل السيارة قال (أرباب بقشيش) وهناك عمال في المراكز التجارية يتنافسون لسحب عربات البضائع إلى سياراتنا ونحن شباب وعلى أكتافنا يمكن أن يمشي جمل وبعد الإنتهاء من تنزيل الأغراض ينظرون إلينا ولسانهم يقول (أرباب بقشيش) وعامل يصلح لك غرض معين وتتفق معه على مبلغ معين وبعد الإنتهاء تسلمه مبلغه وفوق ذلك يقولك (أرباب بقشيش) وتصرفات وأساليب كثيرة تعرفونها أكثر عني أيها الأحبة، علينا أن لا نتساهل معها حتى لا تصبح عادة ومن ثم ثقافة مجتمعية نتعود عليها، وإذا قام الجميع بصدهم ومحاورتهم بأن هذا خطأ وإن كان بسيط سوف تتلاشى هذه الظاهرة وتموت في خدرها أما إذا تساهلنا فعلينا أن ننتظر المزيد من الخراب لمجتمعنا.
وعلينا جميعا أن نستبصر ونعي لما يدور حولنا، وأن لا نتقبل كل ما يمارسه الآخرون من ممارسات بعيدة كل البعد عن ما تربينا عليها وتعلمناه من ديننا الحنيف وميراثنا الأصيل الذي رسخه الأجداد لنا جيلا بعد جيل، وعلينا أن نجتهد في ترسيخ قيم إيجابية تستفيد منها الأجيال القادمة، وإذا لم نستطع أن نكون محسنون للأجيال القادمة علينا أن لا نصدر لهم مثل هذه الممارسات الخبيثة وغيرها من الممارسات التي سيلعننا عليها أبناؤنا ولن يذكرونا بخير، ودمتم ودامت عمان بخير.



