مدينة لا تنام
وداد بنت عبدالله الجابرية
بعيدًا عن ضجيج الحياة، ونداءات الأسماء المألوفة، توجد مدينةٌ لا تنام…
ليست سهرةً بفعل الأضواء أو الانشغال، بل لأن القلوب فيها لا تهدأ، والألسنة لا تصمت، والعيون لا تُغمض — تترقّب، تدعو، تَخشَع.
إنها مكة المكرمة… أو لِنَقُلْ بصوتٍ خاشع: «البيت الحرام، البيت العتيق».
إلى هذه البقعة المباركة يقصدها الحُجّاج، لا ليبحثوا عن راحة الجسد، بل ليُطهّروا أرواحهم، وينفضوا عن قلوبهم غبار الغفلة.
هنا، يُدرك الإنسان أن الوقت نعمةٌ لا تُقدّر بثمن، وأن ضياع لحظةٍ في غير طاعةٍ كأن تُسلَب منه روحٌ من جسده.
يترك وراءه الدنيا بملذّاتها، ليستقبل ربه في أطهر بقعة على وجه الأرض — فيجد ما لا تُعطيه له السماوات والأرض: راحةً لا تُضاهى، وسعادةً لا تُوصف، وعافيةً تنبع من اليقين.
تمر الساعات… والشفتان لا تتوقفان عن الذكر، والقلب لا يملّ الدعاء.
تُناديه مآذن مكة قبل كل مكان: «الصلاة… الصلاة» — المغرب، العشاء، الفجر… حتى في أواخر الليل، تبقى النداءات تهزّ الوجدان، وتوقظ القلوب النائمة.
هي المدينة الوحيدة التي ترى فيها الناس يُسابقون الوقت، لا ليأخذوا نصيبًا من متعةٍ عابرة، بل ليغتنموا الصف الأول، أو زاويةً قريبة من بيت الله — ابتغاءَ الرضا، وطمعًا في الإجابة.
هنا، تُعلّمك مكة معنى الحبّ الحقيقي: حبٌّ لا تُوهنه المسافات، ولا تُضعفه السنون.
تنظر إلى الوجوه المُتعبة، فتجد العيون تلمع، والقلوب تخفق، والدموع تسبق الدعاء…
أرواحٌ تتجدّد، وهمومٌ تُرفع، وصدورٌ تَتّسع لذكر الله وحده.
حتى المناداة بـ «يا حاج» — تلك الكلمة البسيطة — تهتز لها المشاعر، وتنبض بها الأعماق، كأنها لحنُ عودةٍ إلى الأصل، إلى الأمان، إلى **الرحمن**.
قد تخونني الكلمات، وقد تَعجِز الحروف عن وصف ما تفيض به النفس…
لكنّ الصدق لا يُخفى، والشوق لا يُجحَد.
روحٌ مشتاقة… وقلبٌ يخفق باسم «مكة»…
ودعاءٌ لا ينقطع:
اللهم ارزقنا زيارتها في عافية، واجعلها خير مُنى قلوبنا…
واكتب لنا بها عمرًا عاجلًا غير آجل، واقبلنا فيها تائبين، واغفر لنا، وارحمنا، يا أرحم الراحمين.
