التحكيم، الوسيلة البديلة لفضّ النِزاعات
ظافر بن عبدالله الحارثي
كَبرنا على أنّ النظام القضائيّ بعنصره المادّي يُختزَل عادةً في كيان المحكمة، سواءً بدرجتَي التقاضي (المحكمة الإبتدائية ومحكمة الإستئناف) أو محكمة القانون (المحكمة العليا) التي تختلف عن الأخريين بأنها في الأغلب تنظر في الشكل وليس الموضوع، وما يتبعها من تنوّع في عدد القضاء لكلّ محكمة، والاختصاصات المَنوطة بهم، عوضًا عن أهمية فهم الاختصاص القضائي الذي يتعيّن عند معرفته ملاحظة وجود ثلاث جهات قضائية في السلطنة وهي:
(القضاء الإداري والقضاء العادي والقضاء العسكري) بالإضافة إلى بعض المحاكم الاستثنائية المؤقتة، كل هذا ربما ليس جديداً على الغالبية العُظمى من الجمهور، ولكن مع هذه الوسيلة التي تكفل الفصل في النزاعات هناك ما يُسمّى بالتحكيم وهي الطريقة البديلة للقضاء، التي تنحصر في النظر والفصْل في المواضيع التجارية والمدنية فقط.
إذنْ: التحكيم يُعدّ وسيلةً بديلةً عن الطريقة الاعتيادية الطبيعية للتقاضي، ويكون أساسها اتّفاق الطرفين على إعتماد طريقة التحكيم لفضّ النزاع في حالة وجود خِلافٍ بينهما وليس المحاكم؛ وهي وسيلةٌ قانونيةٌ أقرّتها الدولة لأسبابٍ عدّة، لعلّ أبرزها تخفيف العِبء عن المحاكم، إلّا أنّها لم تترك هذه المسألة بدون نظام، بلْ وضعتْ قواعد وتنظيم خاصّ لها لتحرص على تأديتها نَفس الغرض المطلوب الذي يرجوه الأفراد حين يلجؤون للقضاء؛ ووضَع المشرّع العماني قانوناً خاصًّ له، صدر في المرسوم السلطاني رقم ١٩٩٧/٧٤ (قانون التحكيم في المنازعات التجارية والمدنية) حيث جعله وسيلةً قائمةً بذاتها؛ فيتمّ التحكيم بعد اتفاق الطرفين، ثمّ اختيار مُحكّمٍ لكلٍّ منهما، وبعدها يتّفق المُحكّمان على شخصٍ ثالثٍ ليرأس هيئة التحكيم التي تنظر في الموضوع، وقد تكون هذه الهيئة مُشكّلة من ثلاثة أفراد أو فرد أو تسعة أو غيرها من الأرقام الفردية لضمان عدم تساوي الأصوات، وقد يتمّ تثبيت الشخص المُحكّم (الذي يقوم بدور القاضي) بالاتفاق وبعدّة طُرقٍ أُخرى مختلفة.
لعلّ من المسائل التي تتبادر في الأذهان، مسألة مَدى كفاءة هذا الشخص (المُحكّم)، على اعتبار أنه ليس قاضيًا، إلا أنّ التشريعات المُنظمة لموضوع التحكيم لم تجعل اختيار الشخص المُحكم بلا قيود، بل اشترطت بعض الأمور التي يتعيّن توفيرها في شخص المحكم حتى يصبح مؤهَّلاً وتكون الإجراءات المُتَّخذة صحيحة، علاوة على بعض الإجراءات والخطوات التنظيمية لهذه العملية، والجدير بالذّكر أنه نظّم عملية طعن الحُكم الصادر عن المُحكّم بطريقة واحدة وهي دعوى (بطلان حُكم المحكّم)، والتي تعدّ الطريقة الوحيدة للطعن، كما أنّ الحُكم الصادر مِن قِبل المحكّم تعدّ صحيحة وتأخذ مَجرى التنفيذ والتطبيق كتلك الأحكام الصادرة عن القاضي في المحكمة بالضبط؛ وككُلّ شيء لهذه الوسيلة البديلة عيوب ومميزات ومعايير تناسب الأطراف المتخاصمة والذين فضّلوا بإرادتهم أن يسلكوا هذا المَسار عوضًا عن الطريقة الطبيعية.
يعدّ التحكيم الوسيلة المرنة لفضّ النزاعات على اعتبار عدم تضمّنها إجراءات تقليدية لفضّ النزاع، وبجانب العديد من المميّزات، يعطي الطرفين المتخاصمَين مساحةً أكبر لتقديم الدفوع والأدلة وهي ما تُعرف بالحرية في الاختيار ، ويتعيّن أيضاً عند سَلك هذا المَسار سرعة الفصل مقارنةً بالقضاء الطبيعي؛ ومن جانبٍ آخَر هناك عيوب كثيرة تترتّب في الاتفاق على التحكيم، فعلى سبيل المثال (عدم وجود أدلة رسمية وأيضاً عدم وجود دعوى رسمية للطعن) وغيرها من العيوب، ولربما هذا ما يجعل الأفراد ينقسمون بين مؤيّدٍ ومُعارض، حسب ما يروه الأنسب لعلاقتهما ونوعية النزاع، إلا أنّ التحكيم لمْ يعدْ قاصرًا على النطاق المحلّي للدول، بل تتسع لتشمل أيضاً الصعيد الدولي، ولربما سيجد الباحثون بعض القضايا الدولية التي تمثّل خير شاهدٍ على ذلك؛ وفي السلطنة لاحظنا الاهتمام والحِرص بصورةٍ كبيرةٍ في السنوات الأخيرة فيما يتعلق بمجال التحكيم، حيث تمثّلت تلك الجهود على سبيل المثال: (وجود مركز تحكيم عماني)، بالإضافة إلى تمكين المتخصّصين من الخبراء والقانونيين وتدريبهم من قِبل الجهات القانونية لضمان الارتقاء بالعمل القانوني، وغيرها من الجهود التي من شأنها تجويد عمل المحكّمين بصفة خاصة والتحكيم بصفة عامة، وما زلنا نحتاج إلى زيادة جهود تلك المؤسسات القانونية في سبيل نشر الوعي والارتقاء بالمؤسسات المتعلقة بالتحكيم؛ ومن وجهة نظري أرى بأنّ للتحكيم مستقبلاً باهراً ما إن اقترن بالثقة والمهنية في الأداء أكثر لأنها تعدّ الوسيلة المناسبة للتّجار على أساس تعلّق عملهم بالسرعة، وكذلك الحال في بعض النزاعات المدنية، وبكل تأكيد لن يتأتّى كلّ ذلك دون الوعي، أيْ وعي الأفراد وفهمهم وثقتهم لمنظومة التحكيم.



