الفلوس تُغيّر النفوس

إبراهيم بن علي الشيزاوي
الفلوس تغير النفوس، عبارة بائسة طالما ترددت على ألسن الكثيرين، ولا أظن أنها صدرت من غنيٍّ ميسور الحال، بل من فقيرٍ خامل، ظَنّ أنه بذلك يعذر نفسه على كسله وبقائه على الحال الذي هو عليه، وليس في الفقر أيُّ عيبٍ وإنما العيب أن تمكث فيه طوال حياتك دون أن تحاول – جادّاً – في التخلص منه، فهو شرٌ والتخلص منه واجب، وقد استعاذَ منهُ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيما رُوِيَ عنه أنه كان يقول بعدَ كُلِّ صلاة: “اللهم إني أعوذُ بك من الكفرِ والفقرِ وعذاب القبر”.
الفلوس لا تُغيّر النفوس، بل تكشفُ حقيقتها وتُظهر معدنها الأصلي، فمن كانَ سامياً في نفسه، عالياً بأخلاقه، غنياً بمبادئهِ، لن تؤثرَ فيه زيادة المال أو نقصانه، وأما من كانت نفسهُ ضعيفةٌ في أساسها، ترى قيمتها فيما تملك من مادة فقط؛ تلك هي النفوس التي تتغيّر وتتبدل بحسبِ الظروف، أما النفوسُ الصحيحة فلا تتغير، يقول عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: ” الفقرُ والغنى مطيتان لا أُبالي أيهما ركِبت”، هكذا هو الحال عندما تكونُ المبادئ راسخة لا تُغيّرها المُحدَثات.
ومن أجمل ما قالهُ الفيلسوف الشهير هارف إيكر:
“إن المال سوف يزيدك مما هو موجود لديكَ بالفعل من صفات، فإن كنتَ لئيماً سوف تزدادُ لؤماً، وإن كنت طيّباً فستزداد طيبةً” وفعلاً هو كذلك؛ فتلك الصفات تنبع من القلب وليس لها أي ارتباط بالحساب البنكي.
المؤسف أن ترديدَ مثل تلك العبارات – المُزْدَرية للمال – تُعطي إشاراتٍ برمجية إلى العقل الباطن مفادها هو:
ابقَ على الحال الذي أنت عليه، فالعقل الباطن يتأثر بالكلمات التي نُرددها، ثم تصبح تلك الكلمات المُرَدَّدة بمثابة قناعةٍ راسخة ترسمُ لك خارطة طريق للمستقبل دون أن تشعر، وإن جاز التشبيه فإن العقل الباطن يعمل كخوارزميات محركات البحث في الشبكة العنكبوتية، فعندما تبحث عن موضوع ما على جوجل فإنك ستجد نتائج متعلقة ببحثك في الإنستغرام ويوتيوب وسناب شات، رغم أن البحث كان عبر جوجل فقط، إلا أن جميع مواقع التواصل الاجتماعي ستأخذ منك وقتك وأنت لا تشعر من أجل مطالعة نتائج بحثٍ سابق، الحقيقةُ أنّ خوارزميات الذكاءِ الاصطناعي صُممت لتحاكي عملَ العقلِ الباطن.
وبالتالي، إن كانت تلك قناعاتك عن المال فستعيش في نفس الدوّامة، تذمّ المال وتنتقد الأثرياء، وترى في طلب الرزق طمع، وفي التجارة جشع، وسيبقى الجدار العازل بينك وبين الثراء صلداً قوياً.
المال يا أصدقاء وسيلةَ قوة تعينُ صاحبها على فعلِ ما يريد، إن كانَ يريدُ الخيرَ فهي تعينهُ على عملِ ما لا يستطيعُ فعلهُ بدونه، ومما يُستطابُ ذِكرهُ هو أن المبشرين بالجنةِ عشرة، ستة منهم هم من الأثرياء، وأما من أراد طريق الشرّ فبِلا شكّ ستعينه الأموال على تحقيق مراده، فكما قلنا أن المال وسيلة يعين مالكه على فعل ما يريد: {كُلاًّ نُمِدُ هَؤُلاءِ وَ هؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبّكَ وما كانَ عَطاءُ رَبّكَ مَحْظُوراً} [ سورة الإسراء : آية ٢٠ ].



