عليك رحمات اللّٰه يا أبي

يحيى بن حمد الناعبي
للأب مكانة عالية في نفوس أبنائه، وللأبناء أيضاً منزلة رفيعة في قلوب آبائهم، علاقة الروح بالروح ، والقلب بالقلب، يتنفس هواءهم ويتنفسون هواءه ولا يستغني كل واحد منهم عن الآخر، ولا يفرقهما إلا هادم اللذات ومفرق الجماعات، وهذه هي سنة الحياة ، وسنة اللّه في خلقه، يخلقون ثم يعيشون ثم إلى أجلهم سائرون إلى ذلك القدر المحتوم الذي لا مفر منه.
بين ثلاثة عشر من إخوانه كان ترتيبه الثالث متميزا بالرزانة والشجاعة ومفتخرا به إخوانه ، أعطاه أبوه ثقة كبيرة في تسيير أمور البيت فكان الآمر والناهي، وكان أخوه الذي يكبره بعام واحد متعلقا به أيما تعلق فكان يراقبه ويصوره في كل حركاته وسكناته.
زاهر متدينا وزاهدا في دنياه، سكن في دار سيت بالقرب من جامع النور فكان يصطحب أبناءه الأربعة إلى المسجد في كل صلاة وخصوصاً صلاة الفجر رباهم تربية صالحة، ففي كل جمعة يعطي أولاده مبلغا من المال لكي يعطوه الفقراء والمساكين، يغرس فيهم بطريقة رائعة حب الصدقة والإنفاق على المساكين والرحمة والعطف على الفقراء.
و يصف أكبر الأبناء أباه بأنه رجلٌ صالح ورجل دين ولم يقصر معهم في أي شيء والكل يذكره بالخير، وكان رجلا معروفا في كل مكان، وحتى الآن يذكره الناس بالخير على الرغم من وفاته منذ أكثر من ثمانية أعوام وله معارف كثر في السلطنة وخارجها.
هو شخص محبوب لدى الجميع، وكانت قصة وفاته محزنة جدا ، ففي ثاني أيام عيد الأضحى المبارك فقد أذن لصلاة الفجر وصلى بهم جماعة ثم خرج بدراجته النارية مباشرة بعد صلاة الفجر في جولة استعراضية بسيطة ما لبث أن اصطدم بإحدى السيارات وفارق الحياة.
و عندما كبر أبناؤه ظلوا يسألون عن وفاة والدهم من أعمامهم وجدتهم وأمهم الحنون، فتكون الإجابة واحدة من الجميع ، ويقول أحد أبنائه عن أبيه بأنه حريصٌ على دينه زاهدٌ في دنياه يتميز بالرزانة ، ويدعو له بالمغفرة والرحمة راجيا من اللّٰه أن يجمعه به في الجنة.
يالها من أمنية يتمناها الابن الصالح البار بوالديه، وياله من طموح عظيم بأن يلتقي بأبيه في جنات عدن عند مليك مقتدر .
هكذا تكون التربية الصالحة للأب الصالح الذي يربي ذرية صالحة تدعو له بعد مماته حيث ينقطع عنه العمل إلا من ثلاث مصداقا لقول المصطفى صلى اللّٰه عليه وسلم: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة
جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) و لأن تربية المسجد هي أفضل تربية يربي بها الأب أبناءه، ويكون قلبهم معلقا بالمساجد التي هي بيوت اللّٰه تعالى ، ففيها الإمام التقي الذي يهتم بأبناء الحي أو القرية ويستقون من معين علمه، وفيها الصديق الوفي الذي يهتم بأبنائك وينصحهم ويرشدهم إلى الطريق الصحيح، وفيها الشيخ الكبير الذي يسعد برؤية أبنائك ويدعو لهم بالخير في كل صلاة، وفيها الخير الكثير الذي لا يسعنا المقام أن نعدده في هذا المقال فلئن يتربى الابن في بيوت اللّٰه خير له من أن يتربى في أي مكان آخر من أماكن اللهو أو بين أصحاب السوء فالصاحب ساحب كما يقال.
و هكذا يعيش الأبناء في كنف والدهم الحنون فهم قطعة منه بل هم فلذات كبده التي تعيش على الأرض ويرى بها نور الحياة، التي يحلم بها ويرجو أن يراهم أمام ناظريه في أعلى المراتب والدرجات، ويفتخر ويفاخر بهم أمام الناس بل والعالم أجمع، ويقال أنهم أبناء فلان الفلاني، ويسمع عنهم القاصي والداني.
هذا هو حلم زاهر المنجي الذي كان يرجوه من أبنائه البررة في حياته، فتحقق جزء منه أثناء حياته، وتحقق الكثير منه بعد مماته وأصبح أبناؤه بارين به يشار إليهم بالبنان خلقا و علما ورزانة وعقلا ولله الحمد والمنة، مكملين برهم بأمهم الرؤوم التي ضحت بالغالي والنفيس لأجلهم وتكبدت وقاست كل شيء لأجلهم، ولأجل تحقيق أمنيات وأحلام أبيهم بأن يكونوا صالحين، وللدرجات العلى طامحين، وللرأس رافعين، ونحو المعالي سائرين، كي تقر عينها ويسعد قلبها في هذه الحياة، وبإن يجمعهم اللّٰه تعالى بقدرته وجلاله بأبيهم في جنات الفردوس الأعلى من الجنة إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أبي الغالي أنا ابنك سليمان وقد حققت حلمك وأصبحت طيارا وأنت تحت التراب وكم كنت أتمنى أن تكون بيننا وتكون معي في إحدى رحلاتي في ربوع عمان الغالية ولكن سأعدك يا أبي بأن يرافقني أستاذ غال علي وعلى إخواني ألا وهو الأستاذ يحيى بن حمد الناعبي والذي قد شجعني كثيرا حالي كحال الكثير من الطلبة الذين لقوا تشجيعا من هذا المعلم المحب للخير والساعي إليه .



