المرأة العُمانية شريكة البناء وحارسة القيم
هلال بن حميد بن سيف المقبالي
لم تكن المرأة العُمانية يومًا ما على هامش التاريخ، بل كانت ولا تزال ركنًا من أركان الوطن وركيزة أساسية في بناء المجتمع وصون هويته وحماية قيمه. فعبر التاريخ العُماني الخالد كانت المرأة العُمانية لها دور بارز في المجتمع؛ هناك الكثير من القصص والمواقف الحازمة والمفخرة للمرأة العُمانية في أورقة التاريخ. فمن القرى الجبلية النائية انبثقت قوتها ونسجت طموحها، فحملت على عاتقها أعظم رسالة في الوجود، هي تربية النشء وصناعة الأجيال وصقل عقولهم. فمن دفء أحضانها وعمق بصيرتها يتشكّل الوعي الأول في المجتمع، ومن بين يديها تنطلق القيم الأصيلة، وحب الوطن، وروح الانتماء. هي المدرسة الأولى التي تخرّج الأجيال، وتُعدّ القادة الذين يتقدمون صفوف البناء والتنمية، ويسهمون في صون هوية المجتمع ورفع راية الوطن عاليًا.
في عهد النهضة العُمانية عام 1970م لم يكن تمكين المرأة العُمانية في أرفع الدرجات وأرقى المناصب وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تراكم تاريخي ورؤية حكيمة من لدن السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – فقد آمن بأن التنمية لا تكتمل إلا بمشاركة المرأة، فقال – طيّب الله ثراه – في أحد خطاباته الوطنية:
“إن المرأة والرجل معًا يشكلان جناحيّ المجتمع ونهضته إلى الأمام وتطوّره نحو مزيد من التنمية والبناء والنماء والازدهار”.
فحملت مشعل العطاء جنبًا إلى جنب مع الرجل، وأسهمت بدورٍ محوري في صناعة حاضر الوطن ومستقبله، فأثبتت جدارتها وقدرتها على الموازنة بين الأصالة والحضارة؛ فكانت الأم المربية التي أنشأت أجيالًا متشبّعة بحب الوطن، والزوجة الصابرة التي وقفت إلى جانب شريكها في رحلة الكفاح، والمعلمة التي غرست القيم والمعرفة في أبنائها، والموظفة التي أسهمت في إدارة تنمية الوطن وبناء حضارته، والداعية والمرشدة والمحافظة على وعي ورقي المجتمع.
فُتحت أمامها أبواب التعليم والعمل، ودُعيت لتكون شريكة في اتخاذ القرار، وتبوأت مناصب رفيعة في مؤسسات الدولة ومجالات المجتمع المدني والعسكري والأمني. فمن ساحات التعليم إلى ميادين العمل، ومن الحقول الزراعية إلى مواقع القيادة، أبدعت بحضورها في كل الميادين، فكانت إشراقة لمجد الوطن، وحكاية للبذل والعطاء، فغدت نموذجًا مشرّفًا في الداخل والخارج. كما أن دورها التنموي لا يقل شأنًا عن دورها الاجتماعي؛ فهي التي تحمل رسالة بناء القيم، والحفاظ على الموروث الثقافي والمجتمعي، وبناء جسور التواصل بين الماضي والحاضر، وغرس روح الانتماء والولاء للوطن في نفوس الأبناء، لتنشئ أجيالًا تحمل مسؤولية نهضة وبناء الوطن بعزمٍ وبصيرة.
في عام 2009م جاء التوجيه السامي من السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – بتخصيص يوم سنوي للاحتفاء بالمرأة العُمانية، ليكون يوم السابع عشر من أكتوبر يومًا تاريخيًا يُخلّد فيه دور المرأة العُمانية في مسيرة النهضة والتطور، إيمانًا منه بدورها الراسخ في بناء الوطن، وعرفانًا بعطائها الذي لا ينضب، وتقديرًا لما قدمته من بذل وتفانٍ في بناء المجتمع العُماني منذ فجر النهضة الحديثة.
ويتواصل الاهتمام بالمرأة العُمانية في عهد النهضة المتجددة التي يقود مسيرتها الظافرة جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – مؤكدًا على أهمية المرأة في بناء الوطن، قائلًا:
“إن شراكة المواطنين في صناعة حاضر البلاد ومستقبلها دعامة أساسية من دعامات العمل الوطني، ونحرص على أن تتمتع فيه المرأة بحقوقها التي كفلها القانون، وأن تعمل مع الرجل جنبًا إلى جنب في مختلف المجالات خدمةً لوطنها ومجتمعها”.
مؤكدًا جلالته أن المرأة شريك لا غنى عنها في مسيرة بناء الوطن.
يوم السابع عشر من أكتوبر من كل عام يومٌ تحتفي فيه المرأة العُمانية بمناسبةٍ وطنيةٍ تعبّر عن التقدير العميق لمكانتها، وتؤكد حضورها الفاعل في مسيرة النهضة والتنمية منذ بواكيرها الأولى. يومٌ يُسجّل في سجل التاريخ ويُكتب بحروفٍ من نور. في هذا اليوم تتزيّن بنت عُمان بعبق الفخر، وتتنفّس روحًا جديدة من الوفاء والعرفان، يومًا أشرق فيه التكريم السامي من السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – على وجه المرأة العُمانية، فازدان به الوطن، وارتفعت فيه الهامات، وتوّجت الجهود بعطر الإنجاز. لم يكن هذا اليوم مجرّد مناسبة عابرة، بل هو محطة تأمل واعتزاز، أرادها السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – أن تُخلّد حضور المرأة في مسيرة النهضة المباركة.
إن يوم المرأة العُمانية ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو وقفة وفاء وتقدير لعطائها المتواصل، وتجديد للعهد بأن تظل ماضية في طريق التمكين والمشاركة، رافعة راية الوطن، وشاهدة على تحوّلاته المشرقة، لتظل المرأة العُمانية نبض التنمية وروح المجتمع وحارسة القيم، وتثبت لنا في كل محفل أن نهضة الأوطان لا يصنعها الرجال فقط، بل تصنعها الشراكة بين الرجل والمرأة بتكاتف الأيدي وتوحيد القلوب المؤمنة بالنجاح، والعقول المبدعة، والإرادات الصلبة التي لا تعرف التراجع أو الانهزام.
تظل المرأة العُمانية إشراقة للمجد وحكاية للعطاء، شريكة البناء وحارسة القيم على مرّ التاريخ.
يا زهرةَ الأمجادِ يا نبضَ السَّنا
فيكِ السموُّ وفيكِ مجدُ المؤتمنْ
عُمانُ تفخرُ كلَّما لاحَ الضُّحى
بامرأةٍ صاغتْ مجدًا للوطنْ.



