تهنئة
الأحد: 07 يونيو 2026م - العدد رقم 2939
مقالات صحفية

قراءة هادئة في فيديو ” بحر عمان ” ومسؤولية الجميع

حين تتحول الاستفزازات إلى فرصة إصلاح

علي بن مبارك بن خلفان اليعربي

أثار مقطعٌ متداولٌ لعمالةٍ وافدةٍ تتباهى برزمٍ من الأموال التي تجنيها من العمل في بحر عُمان موجةَ استياءٍ واسعة، خصوصًا لدى الباحثين عن عمل والمسرّحين. ورغم أن هذا السلوك مرفوض أخلاقيًا وغير مسؤول، إلا أن التوقف عند مشاعر الغضب وحدها لا يكفي، بل قد يحجب عنا قراءة أعمق لما يكشفه المشهد من خللٍ في إدارة سوق العمل واستثمار الفرص المتاحة.

من زاويةٍ أخرى، يمكن النظر إلى هذا المقطع بوصفه جرس إنذار لا دعوةً للإحباط؛ إنذارًا موجّهًا لشباب هذا الوطن بضرورة الانتقال من انتظار الوظيفة إلى المبادرة، ومن الوقوف على الهامش إلى الإمساك بزمام الفرصة. فالأموال التي شاهدناها لم تُصنع من فراغ، بل من عملٍ في قطاعٍ متاح، كان الأولى أن يكون مردوده في أيدي أبناء البلد.

غير أن تحميل الشباب وحدهم مسؤولية المبادرة يُعد قراءةً منقوصة. فالحقيقة أن جزءًا كبيرًا من واقع العمالة الوافدة هو نتاج ممارسات محلية؛ عمالة استُقدمت بأسماء مواطنين، ثم تُركت تعمل خارج الإطار المصرّح به، وساعدت أنظمةٌ مرنة وثغرات تشريعية على تمددها وسيطرتها في قطاعات متعددة، ليس في الصيد وحده، بل في الخدمات والتجارة والإنشاءات.

*المسؤولية هنا تشترك فيها أطراف عدة:*

* مواطنٌ تنازل أو تغاضى لينتظر فتاتا لا يسد حاجته.

* أنظمة لم تُحدَّث بما يواكب واقع السوق.

* رقابة لم تكن مستدامة أو حازمة.

* وسوق عمل تُرك دون تنظيمٍ دقيق بين الحاجة الحقيقية والاستقدام.

الحل لا يكمن في المنع المطلق ولا في فتح الباب على مصراعيه، بل في مقاربة مرنة وحازمة في آنٍ واحد. تبدأ هذه المقاربة بدعم جاد للراغبين في الأعمال الحرة، عبر تسهيل الإجراءات، وتوفير التمويل، والتدريب، وحماية المشاريع الناشئة من المنافسة غير العادلة. فتمكين الشباب من دخول هذه القطاعات هو الطريق الأقصر لتقليص الاعتماد على العمالة الوافدة.

وفي الوقت ذاته، لا بد من إعادة صياغة قوانين الاستقدام، بحيث تُربط بالحاجة الفعلية، وتُقيَّد بالنشاط المصرّح به، مع عقوبات صارمة على من يتجاوز، سواء كان عاملًا أو صاحب عمل. فتنظيم العلاقة بين الطرفين وفق متطلبات سوق العمل الحقيقي هو السبيل للحد من انفلاتٍ بات مقلقًا ومُستفزًا.

كما أن تجنيد مختلف شرائح المجتمع في المعالجة بات ضرورة؛ إعلامٌ واعٍ يسلّط الضوء دون تهويل، ومؤسسات تعليمية تُعزّز ثقافة العمل الحر، ومجتمعٌ يدرك أن الدفاع عن الفرص الوطنية لا يتناقض مع احترام الآخر، بل يتطلب نظامًا عادلًا وواضحًا.

إن ما نراه اليوم لا يجب أن يُقرأ بوصفه هزيمة، بل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات. فحين تتحول مشاهد الاستفزاز إلى دافعٍ للإصلاح، وحين تتكامل مسؤولية الفرد مع دور الدولة، يمكن لسوق العمل أن يستعيد توازنه، وللثروة الوطنية أن تعود إلى مسارها الطبيعي… في خدمة الوطن وأبنائه.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights