خريف ظفار 2026: صلالة أخذت نصيبها… وحان دور الولايات

أحمد معروف اليافعي
حين يُذكر خريف ظفار، يتبادر إلى الأذهان اسم ولاية صلالة مباشرة، وكأن هذا الموسم السياحي الاستثنائي قد ارتبط بولاية واحدة فقط، رغم أن ظفار بمحافظتها الواسعة وتنوع ولاياتها هي صاحبة هذا الخريف بكل ما يحمله من جمال وخصوصية. ومع تكرار المشهد عامًا بعد عام، بات من الضروري طرح سؤال صريح وجريء:
هل خريف ظفار هو خريف صلالة فقط؟! أم أن الوقت قد حان ليكون خريفًا لكل ولايات المحافظة دون استثناء؟
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن صلالة قد أخذت نصيبها الكامل من الفعاليات، والبنية الأساسية، والزخم السياحي، والدعم الحكومي والاستثماري. فهي اليوم مدينة متكاملة، تضم مراكز تجارية حديثة، ومسارح، ومرافق ترفيهية، ومقاهي، وسينما، وواجهة عصرية، وبنية تحتية قادرة على استيعاب الأنشطة على مدار العام. ولذلك؛ لم تعد صلالة بحاجة إلى تركيز الفعاليات الكبرى كما في السابق، بقدر حاجتها إلى توجيه هذه الفعاليات نحو الاستثمار والاستدامة، وبرامج نوعية تتناسب مع طبيعتها الحضرية، وتخدم سكانها دون أن تُثقل كاهلها بمزيد من الازدحام والتكرار.
في المقابل، هناك ولايات في محافظة ظفار ما زالت تعيش خارج دائرة الضوء، رغم ما تمتلكه من مقومات سياحية وطبيعية كبيرة. ولايات مثل؛ “مرباط، وطاقة، وسدح، ورخيوت، وضلكوت”، تمتلك التاريخ، والطبيعة، والمواقع المفتوحة، والخصوصية الثقافية، لكنها لم تحظَ بفرصة حقيقية لتكون جزءًا فاعلًا من خريف ظفار، بل ظلت لسنوات مجرد امتداد جغرافي لا امتدادًا سياحيًا!
ولو افترضنا أن موسم خريف ظفار 2026 شهد تحولًا حقيقيًا في توزيع الفعاليات، فأصبحت فعاليات حديقة عوقد تُقام في ولايات مثل مرباط أو طاقة، وانتقلت فعاليات ساحة أتين إلى ولاية طاقة، وتوزعت بقية الفعاليات الكبرى على ولايات مثل سدح، ورخيوت، وضلكوت، وأُقيمت فعالية «عودة الماضي» في إحدى هذه الولايات… فماذا سيحدث؟
ما سيحدث هو كسر واضح لمركزية الفعاليات، وولادة مشهد سياحي جديد أكثر توازنًا وعدالة. ستتحول تلك الولايات من مجرد مناطق عبور إلى وجهات سياحية رئيسية، تستقبل الزوار، وتُحرّك الاقتصاد المحلي، وتخلق فرص عمل حقيقية لأبناء المنطقة، وتفتح المجال أمام المستثمرين للدخول بثقة؛ ما يؤدي إلى انتعاش الحياة الاقتصادية والاجتماعية فيها.
قد يتساءل البعض:
وأين صلالة من كل هذا؟
والإجابة هنا واضحة ولا تحتمل اللبس: صلالة لا تُلغى ولا تُهمَّش، بل يُعاد تنظيم دورها.
صلالة ستبقى القلب الحضري للمحافظة، ومركز الاستثمار، والتسوق، والترفيه العصري، والفعاليات النوعية ذات الطابع الثقافي والفني المستدام. أما الفعاليات الجماهيرية الكبرى، ذات الكثافة العالية، فهي الأجدر بأن تنتقل إلى الولايات التي تحتاجها فعلًا، والتي تمتلك المساحات والخصوصية والقدرة على احتضانها دون ضغط أو ازدحام.
لقد أثبتت التجربة أن حصر الفعاليات في صلالة فقط أدى إلى ازدحام مروري وبشري، وتكرار في المواقع والتجربة السياحية، واستنزاف للأماكن نفسها عامًا بعد عام، في حين بقيت ولايات أخرى خارج هذا الحراك، رغم قدرتها على تقديم تجارب سياحية مختلفة وأكثر تنوعًا.
إن إعادة توزيع الفعاليات ليست فكرة ترفيهية، بل قرار تنموي بامتياز؛ فهي تعني:
• تحريك الفنادق والشقق الفندقية في الولايات
• تنشيط التجارة المحلية والأسواق الصغيرة
• خلق فرص عمل موسمية ودائمة
• إحياء الحياة المسائية خارج صلالة
• توزيع الحركة السياحية بعدالة داخل المحافظة
وعندها، لن يكون السائح مضطرًا للسكن في صلالة فقط، بل سيجد خيارات متعددة للإقامة والتجربة داخل ولايات مختلفة، ما يطيل مدة إقامته ويُثري تجربته السياحية.
إن نقل فعالية «عودة الماضي» إلى مرباط، أو سدح، أو رخيوت، ولمدة شهرين، ونقل فعاليات عوقد إلى حديقة ولاية طاقة، وتوزيع بقية الفعاليات على ولايات أخرى، لن يكون تقليلًا من قيمة صلالة، بل إضافة حقيقية لقيمة ظفار كوجهة سياحية متكاملة ومتنوعة، لا تعتمد على ولاية واحدة فقط.
إن أولى خطوات النجاح تكمن في الخروج من دائرة التكرار، وامتلاك الجرأة في اتخاذ القرار، والشجاعة في التنفيذ، والتخطيط بعيد المدى. فخريف ظفار 2026 يجب أن يكون موسمًا مختلفًا، يعيد رسم الخارطة السياحية للمحافظة، ويحقق توازنًا حقيقيًا بين صلالة وبقية الولايات، ليكون فعلًا خريف ظفار… لا خريف صلالة فقط.
أنا مع التغيير، ومع الخروج من القوالب التقليدية، كما خرجنا سابقًا من مخيم البلدية، وحان الوقت اليوم أن نخرج أيضًا من مركزية صلالة في الفعاليات. ولايات ظفار ليست هامشية، بل تمتلك كل المقومات لتكون قوية، نابضة بالحياة، ومؤثرة في المشهد السياحي، إذا ما مُنحت الفرصة والدعم والرؤية الصحيحة.
وظفار، في النهاية، ليست ولاية واحدة، بل منظومة متكاملة، تستحق أن تُدار برؤية شاملة، عادلة، وجريئة.



