مقالات صحفية

من الإعداد إلى الوداع.. رحلة حج مع المرشدون 1447هـ

ثريا بنت حمود بن سليمان الراشدية

في العشرين من مايو 2026م، انطلقت رحلتي إلى الديار المقدسة ضمن حملة «المرشدون» للحج، في الرحلة الأولى من بين ثلاث رحلات نُظمت لموسم حج 1447هـ. ولم تكن هذه الرحلة مجرد انتقال إلى مكة المكرمة لأداء المناسك، بل كانت تجربة إيمانية وإنسانية متكاملة بدأت ملامحها قبل أشهر من موعد السفر، حين شرعت الحملة في إعداد الحجاج روحيًا ومعرفيًا، لتبدأ رحلة الإيمان قبل أن يبدأ الطريق.
استعدادات مبكرة وروح جماعية

منذ وقت مبكر، أولت إدارة الحملة اهتمامًا كبيرًا بتجهيز الحجاج من خلال برنامج متكامل من الدروس والمحاضرات التوعوية التي تناولت مناسك الحج، وتعليمات السفر والتنقل، والجوانب الصحية والتنظيمية، وآداب الحج في أوقات الزحام.

كما أُنشئت مجموعات عبر تطبيق «واتساب» تحولت إلى مساحة يومية للتواصل والتعلم وطرح الاستفسارات، حيث حرص المشايخ والموجهون على المتابعة المستمرة والإجابة عن أسئلة الحجاج، مما عزز روح الألفة بينهم حتى بدا الجميع وكأنهم أسرة واحدة تستعد لرحلة العمر.

وبرز خلال هذه المرحلة الدور الفاعل لفرق الخدمة والتوجيه، التي عملت بروح الفريق الواحد لتهيئة الحجاج نفسيًا ومعرفيًا، تحت إشراف الأستاذة خديجة الطوقية (أم عمار)، التي تولت متابعة شؤون الحاجات، وتميزت بحضورها الدائم وحرصها الكبير على التوجيه والتوعية والمتابعة اليومية.

الانطلاق إلى الديار المقدسة
ومع اقتراب موعد السفر، تصاعدت مشاعر الشوق والترقب حتى جاء يوم 20 مايو 2026م، لتنطلق الرحلة وسط أجواء إيمانية مميزة. وكنت ضمن الحافلة رقم (4) من أصل (18) حافلة خُصصت لنقل الحجاج بين مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، في تنظيم يعكس حجم الجهود المبذولة لخدمة ضيوف الرحمن.
ولم تكن الرحلات داخل الحافلات مجرد تنقل بين المواقع، بل تحولت إلى مجالس إيمانية وثقافية ثرية، كان الشيخ محمد المعمري يضفي عليها أجواء من التأمل والروحانية من خلال قصصه وتجاربِه ومواقفه المؤثرة.
ومن أكثر ما بقي عالقًا في الذاكرة قصة «حسبي الله ونعم الوكيل»، التي تناولت معاني التوكل على الله وكيف تتحول الشدائد إلى أبواب للفرج عند صدق اليقين بالله، فلامست القلوب وأثرت في نفوس الحجاج تأثيرًا بالغًا.

عمرة القدوم وبرامج التأهيل الإيماني
بعد أداء عمرة القدوم، تواصلت البرامج الإرشادية داخل الفندق، خاصة في قاعة «RT» التي تحولت إلى محطة يومية للعلم والذكر والتعارف. فقد احتضنت المحاضرات والدروس واللقاءات الإيمانية، كما جمعت الحجاج خلال وجبات الطعام اليومية في أجواء يسودها الود والتعاون.
وشهدت الأيام التي سبقت يوم التروية برنامجًا علميًا وإيمانيًا مكثفًا شارك فيه نخبة من المشايخ والعلماء، من بينهم الشيخ محمود الندابي، والشيخ أفلح الخليلي، والشيخ بدر البوسعيدي، والشيخ زاهر آل عبدالسلام، والشيخ إبراهيم الغماري، والدكتورة فريدة الشرجية، والأستاذة منال الهنائية، والأستاذة عبير الخصيبية، حيث تنوعت الموضوعات بين فقه المناسك، وروحانية الحج، وتدبر آياته، وآدابه وأخلاقه.
كما نظمت الحملة «جولة المشاعر المقدسة» داخل الحافلة، وهي تجربة توعوية ميدانية ربطت بين المعرفة النظرية والواقع العملي للمشاعر المقدسة، وأسهمت في رفع مستوى الوعي والاستعداد لدى الحجاج.

لقاء بعد ربع قرن
وسط هذا الزخم الإيماني، حملت الرحلة لحظة إنسانية لا تُنسى.
ففي فندق ريف مكة العالمية، وقبل يوم التروية، شاء الله أن ألتقي بصديقة دراسة قديمة انقطعت أخبارها منذ نحو خمسة وعشرين عامًا. وفي لحظة مفاجئة التقت الأعين، ونطقتُ باسمها ونطقت باسمي.
كانت أمينة الزكوانية.
لحظة امتزج فيها الذهول بالفرح، وعاد فيها الزمن سنوات طويلة إلى الوراء، وكأن الغياب لم يكن.

يوم التروية ومشاعر منى
في يوم التروية بدأت ملامح الحج الحقيقية تتجلى، حيث توجه الحجاج إلى منى في أجواء خاشعة مفعمة بالإيمان.
وفي المخيمات ظهرت «توالف الحجيات» في أجمل صورها، حيث سادت الألفة والتعاون وتبادل الدعوات والمشاعر الصادقة، وكأن الجميع أسرة واحدة جمعتها طاعة الله.
كما تواصلت المحاضرات والبرامج الإرشادية والأدعية الجماعية والفردية التي زادت المشهد خشوعًا وطمأنينة.

عرفة ومزدلفة
ومع فجر يوم عرفة، بلغ الحج ذروة روحانيته في ذلك المشهد العظيم الذي تتجلى فيه الرحمة والمغفرة.
وقف الحجاج بين الدعاء والذكر والاستغفار، في ساعات لا تُشبه سواها من ساعات العمر.
ومع غروب الشمس انطلقت الجموع إلى مزدلفة، حيث المبيت وجمع الحصى وسط سكينة عجيبة، قبل العودة إلى منى لاستكمال بقية المناسك.

أيام العيد والتحلل
بعد العودة إلى منى، استمرت المناسك وسط تعاون واضح بين الحجاج، تجلت فيه معاني الأخوة والتكافل.
ثم جاء التحلل والعودة إلى الفندق، لتبدأ أجواء العيد بما تحمله من فرح وتهانٍ وتبادل للدعوات، وتناول الأطعمة الشعبية، وارتداء ملابس العيد، في مشهد امتزجت فيه الفرحة بالسكينة الإيمانية.

طواف الإفاضة وأيام التشريق
جاء طواف الإفاضة ليشكل إحدى أعظم لحظات الحج، قبل العودة إلى منى للمبيت ورمي الجمرات خلال أيام التشريق، حيث استمرت رحلة الطاعة والذكر في أجواء من النظام والطمأنينة.

طواف الوداع.. والرحيل الذي لا يشبه الرحيل
ومع انتهاء أيام التشريق، حان موعد طواف الوداع.
وفي فجر ذلك اليوم المبارك، توجهنا إلى المسجد الحرام، حيث أكرمني الله بلحظة ستظل محفورة في الذاكرة ما حييت، إذ تيسر لي لمس الكعبة المشرفة وسط زحام الطائفين.
كانت لحظة امتزج فيها الخشوع بالامتنان، والدموع بالدعاء، والشوق بالرجاء.
وبعد إتمام الطواف، بدأت رحلة العودة إلى أرض الوطن، لكن القلب لم يعد كما كان قبل الرحيل.
عدنا بحقائب تحمل بعض المتاع، وبقلوب تحمل عمرًا كاملًا من الذكريات والدروس والمشاعر. عدنا وقد تركنا جزءًا من أرواحنا هناك، عند البيت العتيق، بين منى وعرفة ومزدلفة، حيث تتجرد النفوس من أثقال الدنيا، وتقترب من خالقها أكثر من أي وقت مضى.

وإذا كانت رحلة الحج قد انتهت، فإن أثرها لا ينتهي؛ لأنها ليست رحلة مكان، بل رحلة روح تبقى تفاصيلها حيّة في القلب ما بقي العمر.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights