صاحبةُ الحكاية
شمسه الرحبية
وأنا جالسةٌ في الخارج في هذه الليالي الشتوية الباردة، والنجوم تُطرّز السماء بألوانها الزاهية المتناثرة، وهي تشكّل لوحةً ربانيةً تُبهر من ينظر إليها، جمالًا يأسر الألباب ويأخذك إلى عالمٍ آخر تطلق لخيالك العنان فيسرح بك بعيدًا، حيث الذكريات الجميلة.
تذكّرتُ صاحبةَ الحكاية وصغيرتها المشاكسة نوارة. كانت نوارة شقيةٌ نوعًا ما، تحب الضحك واللعب، ذات حركةٍ دائمة، وكانت الجدة تحبها كثيرًا بل تؤثرها عن باقي حفيداتها. صحيحٌ أنها في بعض الأحيان تتضايق من تصرفاتها وضحكها الكثير، ولكن في الوقت نفسه لا تستغني عنها، فهي كانت عكازة الجدة والعين التي تنظر بها، وكانت تقضي حوائجها بكل حب واحترام.
تقول نوارة: عندما كنت صغيرة كانت الحياة بالنسبة لي تقتصر على الضحك واللعب والنوم. كنت أحب جدتي كثيرًا، فهي بالنسبة لي الحضن الجميل الذي يحتويني بكل ما فيني. قبل غروب الشمس أراقب جدتي وهي تجهّز الفِراش للنوم قبل أن يحل الظلام، فلا تستطيع الرؤية، فالنظر لم يعد يُسعفها مثلما كان، ولم يكن لدينا كهرباء فتستطيع الرؤية. كانت جدتي تنتظرني أن آتي إليها كل مساء أحمل لها عشاءها المفضل، خبز الرخال مع حليب الغنم الطازج، ولأخبرها كيف كان يومي في المدرسة. تفرح كثيرًا حين أخبرها أنني متفوقة ومتميزة. بعدها تحكي لي حكاية من حكاياتها المشوقة. ما أجمل حكايات جدتي! وما أجمل طريقتها في سرد الحكاية! تحكي لي وتتفاعل مع كل قصة حسب الأحداث والوقائع التي بها، فتارة ترفع صوتها وتارة تخفضه، وتارة تحكي بصوت باكٍ وتارة تضحك، وأنا أرسم تلك المشاهد في عقلي وكأني أرى أبطال القصة وأستمع إليهم، لا إلى جدتي هي التي تحكي.
لا أنسى قصة البطل الذي أنقذ المدينة كلها من الغول، وكافأه الملك أن زوّجه ابنته، ولا قصة الفتاة المظلومة التي في النهاية تزوجت أميرًا، ومع نهاية كل قصة كانت تخبرني عن العبرة.
رحم الله الجدة صاحبة الحكاية، صاحبة القلب الطيب والبال الواسع. وكبرت نوارة وأصبحت أمًّا، ولا زالت تسترجع شريط الذكريات مع الجدة، وتعزم أن رزقها الله بأحفاد ستكون هي صاحبة الحكاية.



