الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

من خريف ظفار .. خطاب ود وشوق

  عادل بن حميد الجامعي

الحمد لله الذي جعل للأماكن روحًا، وللأوقات نكهة، وللصحبة بركة، ثم ساقنا إلى خريف ظفار حيث الخضرة والندى، والبحر والسمر، والمعارض التي تجمع بين الناس على مائدة العسل والنبات، وعلى بساط التجارة والمعرفة.

ها نحن نغادر خريف ظفار بعد أيام عشرةٍ كأنها فصل من العمر، عشنا نهاراتها بين ولاياتها القريبة من صلالة، ولياليها على شاطئ الحافة حيث انعقد معرض الأمن الغذائي. هناك لم نكن مجرد زائرين، بل كنّا شهودًا على قصة لقاءٍ عذب، نسجت خيوطها مناحل وادي نام ومناحل مجاج النحل، وإخوتنا المبدعون من الزاهية والبيرق للعسل العماني، وغيرهم من نحالي ظفار الأكارم الأعزة..

وبين ضجيج الناس وهمس البحر، تعلمنا أن المعرض ليس سوقًا للبيع فحسب، بل مدرسة تُعلّمك كيف تفتح قلبك قبل دكانك، وكيف تعرض فكرتك قبل منتجك، وكيف تكسب الصديق قبل أن تكسب المال.

خمسة مبادئ على درب المشاركة:

لقد وضعتُ لنفسي خمسة مبادئ في كل مشاركةٍ لي بالمعارض، صارت كنجوم تهديني الطريق:

1. التعارف: أن ألتقي بالناس وأصغي إليهم، فأكتشف اهتماماتهم ورغباتهم. فالمعرض فرصة للتعارف أكثر من كونه ساحة تجارة.

2. تغيير القناعات: أن أفتح نوافذ جديدة على أذهان الزائرين، فيتبدّل عندهم مفهوم العسل أو النبات أو المنتج المحلي، ليصبح جزءًا من حياة ووعي.

3. التعلم المستمر: فما من معرض إلا وكان فيه درس جديد، فكرة عابرة، أو تجربة ملهمة تجعلني أعود مختلفًا عمّا كنت.

4. رفع الوعي: ليس الوعي بالمنتج فقط، بل الوعي بقيمة العمل الشريف، وبجمال البيئة العُمانية، وبأن التجارة رسالة قبل أن تكون ربحًا.

5. كسب المال: وهو نتيجة طبيعية تأتي لاحقًا، لكنها ليست الغاية الأولى، بل ثمرة جهدٍ وصبرٍ وحسن إدارة.

هذه المبادئ الخمسة جعلتني أنظر إلى المعارض كجسورٍ تمتدّ بين القلوب قبل أن تمتد بين الجيوب، وكحدائقٍ تثمر وعودًا بعد أن ينقضي موسمها.

علم المعارض والتسويق:

إن الغرض الأسمى من هذه المعارض ليس البيع، وإنما العرض والتبيين والتيسير.. وما يراه الناس من الترويج ليس إلا بابًا من أبواب التسويق، إذ أن علم التسويق أوسع بكثير، يتضمن في داخله سبعة أسسٍ متكاملة:

* علم الشراء

* علم البيع

* علم نفس الفئة المستهدفة

* علم قراءة السوق

* علم هوية المؤسسة وسمتها

* علم الترويج والإعلان

* علم التصميم والتغليف والعرض

وتحت كل علمٍ منها يختبئ عالمٌ آخر من الإبداع والابتكار وثرواته.. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمعرض.. أنه ليس محطة ختام، بل بداية رحلة. فالفوائد الكبرى لا تظهر أثناء المعرض فقط، وإنما بعده، حين يتصل بك من اقتنى منتجك ليواصل العلاقة، وحين يتحول اللقاء الأول إلى تعاونٍ ممتد.. هناك، في تلك اللحظة، تدرك أن جهدك لم يذهب سدى، وأن تعبك أثمر ثمرة صافية.

فإذا خرجت من المعرض وقد حققت أهدافي الخمسة – أو معظمها – أكون قد بلغت هدفي، حتى لو لم يعد كل ما بذلناه من جهدٍ ومال إلينا بصورة مباشرة. فالمكاسب المعنوية العامة، من وعيٍ وعلاقاتٍ وتغييرٍ في العقول، هي أعظم وأجدى من المكاسب المادية وحدها.

نغادر ظفار، لكننا نترك قلوبنا بين خضرة الجبال وهدير البحر، بين دفء اللقاء وصدق النفوس. نعود وقد امتلأت حقائبنا بعسلٍ يقطر من أقراص النحل، وذكرياتٍ أندى من خيوط المطر، ومبادئ أثبتت أن التجارة في جوهرها إنسانية، وأن المعارض ليست نهاية المطاف، بل بدايةٌ لطريقٍ أطول وأجمل.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights