مقالات صحفية

نقطة أول السطر .. الحسن والحسين عليهما وعلى جديهما الصلاة وأجل التسليم

   عادل بن حميد الجامعي

هناك بعض الناس حين يقرأ تاريخ الإسلام الأول، يقرأه بعين الصراع؛ فيرى معسكراتٍ متقابلة، ومواقف متنازعة، وأسماءً اختلفت حولها الروايات والآراء.. لكن ثمة قراءة أخرى أكثر هدوءًا وإنصافًا، قراءة تبحث عمّا بقي للأمة من ذلك الجيل العظيم، لا عمّا فرّقها عنه.

لقد شاء الله أن يعيش الحسن والحسين رضي الله عنهما في زمنٍ كثرت فيه الفتن، وتبدلت فيه الأحوال، وتعاظمت فيه المسؤوليات السياسية والاجتماعية. ولم يكن ذلك الزمن زمنًا سهلًا لأحد؛ لا لأهل بيت النبوة، ولا للصحابة الكبار، ولا لمن تولّى أمر المسلمين.

كان الحسن والحسين سبطَي رسول الله ﷺ، وربيبَي بيته، وأقرب الناس إلى قلبه. وقد تربّيا في مدرسة النبوة التي تعلّم الإنسان أن الحق لا يُطلب بالغضب وحده، ولا تُبنى الأمم بالخصومات الدائمة، وإنما بالحكمة والصبر والنظر إلى المصالح الكبرى.

وحين نتأمل سيرة الحسن رضي الله عنه نجد درسًا فريدًا في تاريخ الإنسانية كلها.. فقد كانت بينه وبين معاوية بن أبي سفيان ظروف سياسية معقدة، وكان لكل فريق اجتهاده ورؤيته، لكن الحسن اختار أن يقدّم وحدة الأمة على حقٍ كان يراه لنفسه.. فكان الصلح الذي سمّاه العلماء من أعظم أحداث التاريخ الإسلامي، حتى تحققت فيه بشارة النبي ﷺ حين قال عن الحسن: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين).

لم يكن ذلك الصلح هزيمةً لأحد، إنما كان انتصارًا لفكرة أن الدماء أغلى من المناصب، وأن اجتماع الأمة خيرٌ من استمرار النزاع. ولهذا بقي الحسن في ذاكرة المسلمين سيدًا، لا لأنه انتصر في معركة، بل لأنه أوقف معركة.

أما الحسين رضي الله عنه، فقد مثّل وجهًا آخر من وجوه العظمة الإنسانية.. فقد عاش وفي قلبه إحساس عميق بالمسؤولية تجاه الأمة، ورأى ما رآه من اجتهاداتٍ ومواقف، ثم انتهى به الأمر إلى كربلاء، حيث وقعت الفاجعة التي أبكت قلوب المسلمين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم.

وإذا كان الناس يختلفون في تفاصيل الأحداث وتحليلها، فإنهم يكادون يجتمعون على محبة الحسين وتعظيم منزلته، فهو سبط رسول الله ﷺ، وسيد من سادات أهل الجنة، ورمز من رموز الصبر والثبات والكرامة.

ولعل من أجمل ما نتعلمه من الحسن والحسين معًا أن الإنسان قد يخدم الحق بطرق مختلفة، فالحسن خدمه بالصلح، والحسين خدمه بالصبر والثبات، وكلاهما -عليهما السلام -خرج من مدرسة واحدة، هي مدرسة سيدنا محمد ﷺ.

وفي خضم تلك الأحداث، كان معاوية بن أبي سفيان أحد كتّاب الوحي، وكان عمرو بن العاص من دهاة العرب وقادة الدولة الناشئة.. وقد اختلف الناس قديمًا وحديثًا في بعض اجتهاداتهم السياسية، لكن الذي لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أن الجميع كانوا أبناء مرحلة استثنائية شديدة التعقيد، وأن التاريخ لا يُقرأ بالشتائم ولا بالتقديس المطلق، بل بالفهم والإنصاف.

إن أعظم ما نحتاجه اليوم ليس أن نعيد معارك الماضي، بل أن نستخرج حكمته.. فالأمة التي تتعلم من الحسن كيف تُقدّم الوحدة على الخصومة، وتتعلم من الحسين كيف تحفظ الكرامة والمبدأ، وتتعلم من التاريخ كيف يتحمل الإنسان مسؤولية قراراته في الأوقات الصعبة، هي أمة تملك مفاتيح المستقبل.

وحين نذكر الحسن والحسين، فإننا لا نذكر شخصيتين تاريخيتين فحسب، إنما نذكر قيمًا ما زالت حية: الرحمة، والصبر، والشجاعة، والحكمة، وتقديم المصلحة العامة، والقدرة على الاختلاف دون أن تتحول الخلافات إلى أحقادٍ أبدية.

وهكذا يبقى الحسن والحسين رضي الله عنهما صفحتين مضيئتين في تاريخ الإسلام؛ لا ليدعواننا إلى الوقوف عند جراح الماضي، بل ليفتحا لنا بابًا نحو أخلاقٍ أرحب، ونظرةٍ أعدل، وقلبٍ يتسع للمحبة والإنصاف معًا.

عاشوراء 1448 للهجرة

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights