مقالات صحفية

وطني النجوم

مريم شملان

كل يوم وفي وقت الصباح، يخرج ويحمل ما يلزمه لإصلاح وصيانة مُعدات المياه ومُحركات الطاقة الصغيرة، والتي كانت تَمد المنازل بالكهرباء والتي كانت تعمل على” الديزل والبنزين” في ذلك الوقت ، كل يوم يأتي ليأخذ مُتكأ َ تحت جذع الشجرة الكبيرة القريبة من منزل كان به المْذياع يصدح ليل نهار، يجلس ومسامعه تلتقط مُستجدات ما يحدث بالوطن العربي الكبير، ويُحّدث نفسه بين التصحيح وشجّبْ ما يحدث، ويتمتم بكلمات رافضاً ما ألَت أليه الأمور ومُستجداتها، لتتجمع نسوة تلك القرية ويعلوُ حديثهن بين الهَزْل والجِدْ، ويشرحن ما شاهدن ليلة البارحة بالتلفاز” بدكان” بنت خديجة” وبتمتمن بالدعاء والمدح لوطن يَعشّن فيه، ويستمر الحديث مع دوران فناجين القهوة والطمأنينة على فِلْذات أكبادهن الذين شدوا الرِحال على مناطق حفظ الأمن والأمان .

ويستمر الحديث ” مع صالح” ينظر ويستمع ويشارك في ما هم فيه من حديث، فقد التف من حوله الفتيان والفتيات للتهريج والضَحك والقصص بين الهزل والجِدْ، بين السؤال والجواب هناك تأتي كلمات تُضحكهم ولكن كانت تُبكي قلبه، ويجود بما في مكنون نفسه، وكأنَ البُكاء والمزاح في آنً واحد، إجابة على سؤال لا يعلم مصدرة ومن قاله من شدة السخرية والضَحك وعُلوُ الأصوات لُيجيب “أمي” النخلة، ويحمل نفسة عنوةً بالوقوف من شدة الإعياء وتعب السنين، يُجيب نعم لم أعرف أعز وأطيب من جُود “النخلة”.

نسوة القرية ينَظرن له مُدركات ما يقول ويَعلمن كم هو صادق، الصغارأخذوا مسار مُختلف للحديث أخرجهم عن حكاية” أمي النخلة” ، لِيرسمُوا أحلام وَاهية لم يتحقق منها شىئ حتى الأن رغم مُرور السنين ونسيان ما كان هو الحُلم، لِيستمر بالحديث وهو يقف وعينيه تتطلع إلى البعيد، لم يعلموا الصغار بأن “صالح” كان ينظر إلى ماضٍ بعيد وقت هروبه من وطنه، والشوق الذي أخذ منه بكاءٍ ليالي طويلة لِفراق أرضه وفقّد الوطن والبُعد عنه، خرج صغير ماشياً على قدميه، وأكمل سباحةً من خليج الى خليج، وأستعان بالبحارة والصيادين حتى وصل إلى عُماننا، كان صالح يقرأ باللغتين العربية والأنجليزية ولكنه لم يكن يُجيد الكتابة بالقلم، يُجيد الرياضيات وأرقام قِطْع الغيار والعدة التي يجُوب بها بسيارته البالية القديمة ، يتحدث عن وطن تَركه وَهربْ منهُ لِجبروت وبطشٍ وظُلم ، تنقّل كثيراً حتى وصل عُمان أرض الأمان، أرض الدفء والحُب، كان يروي عن وطنه أنها وطن الخير الذي سُلب، وبها مُلك قد أوُزيل ، وبها التاريخ قد حُذف من كل نقش.

لم ينطق يوماً ما أسم وطنه، ولكن طبيعة كلماته واللكنة التي يتحدث بها تَعّرفه من هو ومن أين قد أتى!! ، بكل حديث لم يكن يخرج منه ألا ووطنه يكون متواجد في ذلك الحديث، لم يكن يملك إلا الشوق، لم يكن يملك إلا البحث عن وسيلة للعودة فقط ليراها ولو لمرةً واحدة في حياته حتى وأن كان زاحفاً، يصف دائماً وطنه وبلدته التي فتح عينيه عليها وهو صغير بالجنة، ويراها ويشم رائحة أرضها وبحرها دائماً ويقول وكأنني أقف على أرض وطني.

دائماً يتحدث عن البحر الذي كان وهو صغير جُل وقته يقف على شاطئه، ويستمتع بمذاق تمورها وسماع صوت حفيف نخيلها وأشجارها وكأني استظل بظلها ، وطبيعة أرضهاالخضراء ما زالت قدماي ساكنة خُطاها على تُرابها و روحي متشبثةً بصخورها وتعّرجات مداخل ومخارج تلك المدينة البحرية الكبيرة، وهي بالأساس مدينة تُبصر النور كل صباح على مَرساها العتيق ، يصف بأن طُرقاتها والميناء والسفن النائمة على مَرساها والتي تتصل بالدول المجاورة والتي يقصدوها التجَّار في كل موسم حصاد من كل المناطق والبلدان المجاورة ، يَبتسم ويَصمت ويدع كل شي كان مشغولاً به أو ما كان يقوم بأصلاحه لبرهة يعود للعمل وكأنه إلازاماً عليه ألا أن يكمل عملة ويلوذ بالصمت، أنه الوطن الذي يبقى لهُ الحنين، الوطن الذي لهُ الحُب ولهُ الفداء والتضحية؟.

الأم التي لا أحد يحتمل فِراقها، الشوق للسماء، والنجوم المختلفة عن كل النجوم بهذه الأرض ويُشير بيده هناك في وطني المختلفة عن باقي الأوطان، والغروب والشروق أيظاً في وطني له الوان ليست كالتي أراها هنا الأن، والغروب والشروق لا يشبهون أي غُروب أو شُروق بالكون، تمر السنوات والأعوام، ويفارق صالح الدنيا برمتها، ذهب ومعه الشوق وحلم العودة، وذكريات كانت مكنونة في أعماق صدره ، ووطن لم يرتوي من ماءه ولم يهنأ بخيراته أو بخبرٍ عنها يُفرح قلبه، وعيناه بقيّت تنظر للنجوم ليلاً، وتسبح بالفضاء نهاراً، ولم تسقط دموع عينة لرؤيتها مرة أخرى بل مات وهو عاشقٍ غريب ولكن لم يشعر يوماً بأنه فارقها رغم إتمام حياته بمسارها كالأخرين، ولكن الخروج منها والهروب لأجل النجاة من الموت كان الندم والجرح الذي أَلَمُهُ كل ليلة وكل يوم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights