التقاعد ليس نهاية الطريق بل بداية فصل جديد من الحياة (2)
عندما يتقاعد المنصب وتبقى الخبرة
علي بن مبارك اليعربي
من الحقائق التي قد لا ينتبه إليها الإنسان أثناء سنوات عمله أن المنصب الذي يشغله، مهما بلغت أهميته، ليس ملكاً دائماً له، بل هو مسؤولية مؤقتة يتداولها الناس جيلاً بعد جيل. فالمناصب تتغير، والمهام تنتقل، والكراسي لا تعرف الاستقرار لأحد، لكن ما يبقى حقاً هو ما يكتسبه الإنسان من خبرة، وما يتركه من أثر، وما يبنيه من سمعة طيبة وعلاقات إنسانية صادقة.
ولهذا فإن من أصعب اللحظات التي قد يمر بها بعض المتقاعدين تلك اللحظة التي يكتشف فيها أن المنصب الذي كان يشغل جزءاً كبيراً من يومه لم يعد موجوداً في حياته، وأن كثيراً من المراجعات واللقاءات والاجتماعات أصبحت جزءاً من الماضي.
وهنا يبرز السؤال الذي يصنع الفرق بين شخص وآخر: هل كانت قيمة الإنسان في المنصب الذي شغله أم في الخبرة التي اكتسبها خلال سنوات عمله؟
إن المنصب بطبيعته مرحلة مؤقتة، أما الخبرة فهي الرصيد الباقي. فالوظيفة قد تنتهي، لكن المعرفة التي تراكمت عبر السنين لا تنتهي. والمسمى الوظيفي قد يتغير، لكن التجارب التي صقلت شخصية الإنسان تبقى جزءاً من كيانه وعطائه.
ولعل ما يثقل على بعض المتقاعدين ليس فقدان المنصب بحد ذاته، بل الشعور بأن المكانة الاجتماعية قد تراجعت بانتهاء ذلك المنصب. وهنا يقع الخلط بين الاحترام المرتبط بالموقع الوظيفي والاحترام المرتبط بقيمة الإنسان وأثره في المجتمع.
فالمناصب تمنح صلاحيات مؤقتة، أما الأخلاق والخبرة والعطاء فهي التي تمنح التقدير الحقيقي والدائم. ولذلك نجد أشخاصاً غادروا مواقعهم منذ سنوات طويلة وما زال الناس يذكرونهم بالخير ويستفيدون من آرائهم ويستحضرون سيرتهم الحسنة كلما ذُكرت الإنجازات أو المواقف النبيلة.
إن الخبرة التي يملكها المتقاعد ليست ملكاً خاصاً به، بل هي ثروة وطنية ومجتمعية. وخلف كل متقاعد سنوات طويلة من التعلم والتجربة والتعامل مع التحديات والنجاحات والإخفاقات، وهي خبرات تحتاجها الأجيال الجديدة وتستفيد منها المؤسسات والمجتمع.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي بعد التقاعد لا يكمن في استعادة المنصب الذي انتهى، بل في استثمار الخبرة التي بقيت. فالخبرة يمكن أن تتحول إلى تدريب، أو استشارة، أو كتابة، أو مشاركة مجتمعية، أو عمل تطوعي، أو توجيه للأجيال القادمة.
كما أن من أجمل ما تمنحه مرحلة التقاعد للإنسان أنها تحرره من القيود الوظيفية وتمنحه مساحة أوسع لاختيار مجالات العطاء التي تتوافق مع اهتماماته وقيمه وقناعاته.
إن المجتمعات التي تدرك قيمة الخبرة لا تسمح بأن تتقاعد العقول، حتى وإن تقاعد أصحابها من الوظائف. فهي تنظر إلى المتقاعدين بوصفهم مخزوناً من الحكمة والمعرفة، لا عبئاً اجتماعياً أو مرحلة انتهى دورها.
ولذلك فإن الإنسان الحكيم لا يقيس نفسه بما كان يحمله من لقب أو منصب، وإنما بما تركه من أثر، وما يملكه من معرفة، وما يستطيع أن يقدمه من نفع للآخرين.
وفي النهاية، تبقى المناصب مراحل عابرة في حياة الإنسان، أما الخبرة فهي خلاصة العمر كله. وقد يتقاعد المنصب في يوم من الأيام، لكن الخبرة لا تتقاعد، والحكمة لا تتقاعد، والرسالة لا تتقاعد.
فالسعيد من أدرك أن ما بقي معه بعد الوظيفة أهم مما غادره معها، وأن أعظم استثمار في مرحلة التقاعد ليس البحث عما انتهى، بل توظيف ما تراكم من خبرة في صناعة أثر جديد وحياة أكثر معنى وعطاء.



