مقالات صحفية

نقطة أول السطر .. هجرةٌ أخرى

   عادل بن حميد الجامعي

كلما أقبل عامٌ هجريٌّ جديد، انصرف كثيرٌ من الناس إلى عدِّ السنين، وتأمُّل ما مضى من الأعوام، واستحضار المحطات التي عبروا بها. غير أن للهجرة معنى أوسع من أن تكون حدثًا تاريخيًّا نُحييه في التقويم، أو ذكرى نمرُّ عليها في مطلع عام جديد.

فالهجرة في حقيقتها رحلةٌ تتجدد ما دامت الأرواح تنبض، وما دام القلب قادرًا على أن يراجع نفسه، ويعيد ترتيب خطواته، ويختار الطريق الذي يرضي الله سبحانه وتعالى.

ثمَّة هجراتٌ لا يراها الناس، لكنها أعظم أثرًا من كثيرٍ من الأسفار. هجرةُ كلمةٍ جارحةٍ اعتادها اللسان إلى كلمةٍ طيبةٍ تداوي القلوب. وهجرةُ عادةٍ أثقلت الروح سنين طويلة إلى عادةٍ تفتح نوافذ النور في الحياة. وهجرةُ تسويفٍ طال أمده إلى عملٍ صادقٍ يقرِّب صاحبه من غايته. وهجرةُ اشتغالٍ بالدنيا إلى التفاتةٍ أعمق نحو الآخرة.

وما أجمل أن نستقبل العام الجديد بهذا المعنى الهادئ؛ لا بضجيج الوعود الكبيرة التي سرعان ما تتبدد، وإنما بخطوة صادقة واحدة نحو الله. فالقلوب لا تتغير بالقفزات المفاجئة بقدر ما تتغير بالثبات على الطريق، وبالمحاولات المتكررة، وبالرجوع كلما تعثرت، وبالأمل الذي لا ينطفئ.

إن أعظم ما يمكن أن يحمله الإنسان معه إلى عامه الجديد قلبٌ ما زال يرجو ويسأل. يرجو رحمة الله حين يقصر، ويرجو عفوه حين يخطئ، ويرجو فضله حين تضيق به السبل. فالرجاء هو وقود المسير، وهو النافذة التي يدخل منها الضوء إلى النفس حين تتراكم عليها غيوم التعب.

ولعلنا في هذه الأيام المباركة أحوج ما نكون إلى أن نسأل أنفسنا: ما الذي ينبغي أن نهاجره؟ وما الذي ينبغي أن نستقبله؟

ربما حان وقت هجرة القسوة إلى اللين، والشكوى إلى الشكر، والتردد إلى المبادرة، والخصومة إلى الصفح، والاشتغال بعيوب الناس إلى الاشتغال بإصلاح النفس. وربما حان وقت استقبال مزيد من القرآن، ومزيد من الذكر، ومزيد من الرحمة بالخلق، ومزيد من الإحسان الذي لا يطلب ثناءً من أحد.

إن السنوات لا تُقاس بعدد ما نعبره منها، وإنما بما تعبره هي في دواخلنا. فقد يمر عامٌ كامل فلا يغير شيئًا، وقد تمر لحظة صدق واحدة فتصنع بداية عمر جديد.

ولهذا فإن العام الهجري الجديد ليس صفحةً في التقويم فحسب، وإنما فرصةٌ متجددة لأن نكتب في دفاتر أرواحنا سطرًا أجمل من الذي قبله، وأن نقترب خطوةً أخرى من الله، وأن نحمل إلى أيامنا القادمة قلبًا أنقى، ونيةً أصفى، وروحًا أكثر امتلاءً بالنور.

فيا رب، كما جعلت الهجرة بابًا لولادة أمة، فاجعل لنا في هذا العام هجرةً تليق بك؛ هجرةً من كل ما يحجب القلب عنك، إلى كل ما يقربه منك. وامنحنا من نورك ما يبدد عتمة الطريق، ومن عفوك ما يغسل آثار التقصير، ومن رحمتك ما يجعل أعوامنا القادمة أكثر قربًا منك، وأكثر امتلاءً بالسكينة والرضا.

عامٌ جديد..
ونحن ما زلنا نحمل الرجاء نفسه: أن نكون عند نهايته أقرب إلى الله مما نحن عليه اليوم.

اللهم صل على سيدنا محمد وآل سيدنا محمد وسلم تسليما كثيرا.

كل عام أنتم بخير

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights