مقالات صحفية

ما ينبغي أن يراعيه المسافر في المسجد بعد صلاة الجمعة

  سليمان بن حمد العامري

قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}
سورة الجمعة: 9

تدل هذه الآية الكريمة على عظمة يوم الجمعة ومكانته في حياة المسلمين، فهو يوم يرتبط بالاجتماع على ذكر الله، والاستماع إلى الخطبة، وأداء صلاة الجمعة، وما يصاحب ذلك من دعاء وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك تُعد الفترة التي تعقب الخطبة والصلاة من الأوقات التي ينبغي أن تُراعى فيها السكينة؛ لقربها من الموعظة والعبادة، ولأن أثرها يستمر في نفوس كثير من المصلين.

ومن تمام الفقه في الدين أن لا ينظر الإنسان إلى صحة الفعل وحدها، بل يجب أن يُنظر أيضًا إلى موضعه ووقته وأثره فيمن حوله. فليست العبادة مجرد أداء صحيح من جهة الحكم، بل هي أيضًا أدب في السلوك، وحكمة في التصرف، ومراعاة لأحوال الناس.

وقد ورد في السنة النبوية ما يؤصل لهذا المعنى داخل المسجد، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف في المسجد، فسمع بعض أصحابه يجهرون بالقراءة، فقال: «ألا إن كلكم مُناجٍ ربَّه، فلا يؤذينَّ بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة، أو قال: في الصلاة».

ومع أن الحديث ورد في سياق الجهر بالقراءة، إلا أن معناه يرشد إلى أدب مهم، وهو أن المسلم لا ينبغي أن يجعل عبادته سببًا في التشويش على عبادة غيره. فإذا كان رفع الصوت بالقراءة، وهي قربة وطاعة، قد نُهي عنه حين يؤذي المصلين، فإن مراعاة السكينة في سائر العبادات أولى بالعناية والانتباه.

ومن المسائل التي تحتاج إلى تنبيه هادئ: حال بعض المسافرين بعد صلاة الجمعة. فقد يكون المسافر ممن له عذر معتبر في ترك الجمعة، أو ممن يريد أداء الصلاة التي تلزمه في حال سفره، وهذا يدل على حرصه على الصلاة وتعظيمه لشأنها. وليس المقصود هنا الاعتراض على أصل صلاته، ولا التضييق عليه فيما وسَّع الله فيه، وإنما المقصود أن تُراعى طريقة أداء الصلاة بعد فراغ المصلين من الجمعة.

ففي هذه اللحظة يبقى كثير من الناس في حال ذكر، أو دعاء، أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، أو سكون يعقب سماع الخطبة وأداء الصلاة. وقد يحدث أن يختار بعض المسافرين موضعًا قريبًا من الصفوف الأمامية أو من مكان الإمام، ثم يرفعون أصواتهم بالإقامة، ويشرعون في الصلاة على نحو يلفت الانتباه، مما يؤدي إلى التشويش على الجالسين والذاكرين والمصلين.

وموضع الإشكال هنا ليس في الصلاة ذاتها، بل في عدم تقدير حال المكان ومن فيه في تلك اللحظة. فبعد الجمعة لا يكون الناس على حال واحدة؛ فمنهم من يذكر، ومنهم من يدعو، ومنهم من يصلي، ومنهم من يجلس ساكنًا متأثرًا بالموعظة. فإن حسن اختيار الموضع، وخفض الصوت، وتجنب لفت الأنظار، كل ذلك يدخل في مراعاة السكينة العامة.

ولذلك يحسن بالمسافر، إذا أراد أن يصلي بعد الجمعة، أن يختار موضعًا لا يقطع على الناس عبادتهم؛ كجانب المسجد، أو الصفوف الخلفية، أو الساحة الخارجية إن وُجدت، مع خفض الصوت في الإقامة، وتجنب ما يربك المصلين أو يشتت الذاكرين. وبهذا يجمع بين أداء صلاته ومراعاة حق الآخرين في الخشوع والطمأنينة.

وهذا التنبيه لا يحتاج إلى شدة ولا إلى إنكار جارح، بل إلى توجيه هادئ من أهل العلم والخطباء والقائمين على المساجد، يبينون فيه أن آداب العبادة لا تنفصل عن صحة أدائها، وأن مراعاة الناس من كمال الوعي الديني وحسن الفقه.

وخلاصة القول: إن العبادة لا تكتمل بحسن الأداء الظاهر وحده، بل تزداد جمالًا حين تصحبها رحمة بالناس، ورفق بالمكان، ومراعاة لأحوال المصلين.

فالعبادة نور، ومن تمام نورها ألا تطفئ خشوع غيرك.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights