حين تتحدث القلوب
بدرية بنت حمد السيابية
كيف للكلمات أن تفي بحق إنسانة صنعت من حضورها أثراً، ومن عطائها ذكرى جميلة تسكن القلوب؟ وكيف لحروف محدودة أن تختصر مشاعر امتنان تراكمت عبر سنوات من المواقف النبيلة والكلمات الصادقة والعطاء الذي لا ينتظر مقابلاً؟
اليوم أكتب بقلب يسبق القلم، وأمنح نفسي مساحة مختلفة عن كل ما اعتدت كتابته من مقالات اجتماعية وثقافية، لأتحدث عن شخصية استثنائية تركت بصمتها في نفوس من عرفوها وتعاملوا معها. أكتب عن إنسانة لم تكن مجرد مديرة أو مسؤولة، بل كانت مدرسة في الأخلاق، وقدوة في التعامل، ونموذجاً راقياً للقيادة الإنسانية.
أتحدث عن معلمتي ومديرتي الفاضلة الأستاذة نعيمة آل مكي، تلك الشخصية التي استطاعت أن تجمع بين الحزم والرحمة، وبين التواضع والنجاح، وبين المسؤولية المهنية والقيم الإنسانية الرفيعة. فقد كانت تؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يقاس بالمناصب والإنجازات وحدها، بل بقدرة الإنسان على احترام الآخرين وتقدير جهودهم وبناء جسور الثقة والمحبة معهم.
كانت تستقبل الجميع بابتسامة صادقة وقلب مفتوح، فتمنح المكان دفئاً خاصاً وتشعر من حولها بقيمتهم وأهمية أدوارهم. ولم تكن تنظر إلى العاملين معها بوصفهم موظفين يؤدون مهامهم فحسب، بل شركاء في النجاح ومسيرة العطاء. ولهذا تركت في النفوس أثراً يتجاوز حدود العمل والعلاقات الرسمية.
تعلمنا منها أن الطموح لا يعرف حدوداً، وأن التحديات ليست عوائق بل فرص للتعلم والنمو. ورأينا فيها مثالاً للإنسان الذي يواجه الصعوبات بالصبر والإصرار، ويصنع من كل محطة خطوة نحو نجاح جديد. كانت تؤمن بأن الإنجاز رحلة مستمرة، ولذلك بقي عطاؤها متجدداً وأثرها متواصلاً.
وفي كل لقاء معها كانت تبث في المكان طاقة إيجابية تجعل العمل أكثر متعة وسهولة، وتمنح الجميع شعوراً بالراحة والثقة. لذلك لم تكن علاقتنا بها علاقة عمل عابرة، بل علاقة إنسانية صادقة تركت بصماتها في القلوب قبل الذاكرة.
وحين وصل إلينا خبر تقاعدها، اختلطت مشاعر الفرح والحزن في آن واحد؛ فرحاً لها بما تستحقه من تقدير وراحة بعد سنوات من البذل والعطاء، وحزناً لفراق حضور اعتدنا عليه وألفناه. عندها أدركنا أن بعض الأشخاص لا يرتبطون بالمكان بقدر ما يرتبط المكان بهم، وأن بعض الوجوه تصبح جزءاً من تفاصيل الأيام فلا يغيب أثرها مهما تغيرت الظروف.
غير أن العطاء الصادق لا يعرف التقاعد، والأثر الجميل لا تغلق أبوابه الأيام. فقد تغادر الأستاذة نعيمة موقعها الوظيفي، لكنها ستبقى حاضرة في ذاكرة كل من تعلم منها، وفي دعوات كل من لمس خيرها وإنسانيتها، وفي قلوب كل من حظي بمعرفتها.
كما لا يفوتني أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير للأستاذة مريم العجمية وعضوات المجلس الكريمات، اللواتي كن مثالاً للتعاون والمحبة وجبر الخواطر، وأسهمن في ترسيخ بيئة يسودها الاحترام والتقدير المتبادل.
معلمتي الفاضلة نعيمة، مهما كثرت الكلمات فإنها تبقى أقل من أن تعبر عن حجم الامتنان الذي نحمله لك. شكراً لكل جهد بذلته، ولكل موقف نبيل صنعته، ولكل كلمة طيبة تركت أثراً في النفوس. شكراً لأنك كنت قدوة في الإخلاص والتفاني والعطاء.
نسأل الله أن يبارك في عمرك، وأن يجعل ما قدمته من خير في ميزان حسناتك، وأن يملأ حياتك القادمة بالصحة والسعادة والطمأنينة.
أما نحن، فسنظل نذكرك بكل خير، لأن بعض الأشخاص لا يرحلون مهما ابتعدت بهم المسافات، فهم يسكنون القلوب، وحين تتحدث القلوب يكون حديثها دائماً عنهم.



