السبت: 23 مايو 2026م - العدد رقم 2924
مقالات صحفية

سيرة هادئة لوعيٍ يراقب التعليم من الداخل

الكاتبة سالمة هلال الراسبي –باحث تربوي اول –قسم التوعية والإرشاد الطلابي –تعليمية جنوب الشرقية

تمر بعض الوجوه في حياة الأوطان كأنها لم تكن، خفيفة على الذاكرة، سريعة الذوبان في الزمن، وتمر وجوه أخرى كأنها تترك أثرًا غير مرئي في طبقات المكان، حضورًا يتأخر في الغياب ويستمر في العمل داخل المعنى نفسه، كأن الأثر ينتمي إلى الزمن الذي مر به، وأفكر في التعليم ككائن لا يُرى من الخارج، كيان يتخفى خلف النظام واللوائح ويتنفس من توتر البشر الذين يسكنونه، ممن تعب المعلمين ومن توتر الإدارات ومن ارتباك الطلبة أمام عالم يتغير دون أن يمنحهم وقتًا كافيًا لفهمه، كل شيء فيه يبدو مرتبًا من الخارج بينما في الداخل شيء آخر يحدث باستمرار حركة خفية من القلق ومن المحاولة ومن إعادة تشكيل المعنى في كل يوم جديد ، وأعيش هذا المشهد من الداخل لأني جزء من التفاصيل نفسها، أعواما متتالية توزعت بين الصفوف وبين لحظات شرح تحاول أن تجعل المعنى ممكنًا وبين إدارة يومية تحاول أن تمنع الانهيار الصغير من التوسع وبين لجان تقيس المعرفة وكأنها تحاول تثبيت العدالة في شكل يمكن الإمساك به ثم بين أسئلة بحثية تقترب من جوهر ما لا يُقال في التعليم أكثر مما يُقال.

ومع تراكم الزمن يتغير السؤال داخل هذا الجسد الكبير للتعليم، فيصبح سؤالًا عن القدرة على الاستمرار وعن الجهد الذي يُبذل في صمت وعن الإنسان الذي يُطلب منه أن يعطي أكثر مما يُرى في المقابل، في هذا المستوى من القراءة يتضح أن الحديث عن المعلم تحول من كونه ناقلًا للمعرفة أو منفذًا لخطط دراسية، إلى أن أصبح مرتبطًا بإعادة تعريف موقعه داخل البنية الكاملة للنظام التعليمي بوصفه عنصرًا بشريًا مركزيًا يتقاطع فيه البعد المهني مع البعد الإنساني حيث تتداخل مسؤوليات المهنة مع أثرها الممتد في الزمن على الفرد نفسه.

ويأتي في هذا السياق الدور البارز لمعالي الدكتورة مديحة الشيبانية ,,-وزيرة التعليم- التي ارتبط اسمها بمرحلة مفصلية من إعادة بناء الفلسفة التعليمية ذاتها، حيث قادت هذا التحول برؤية تراكمية هادئة أعادت الاعتبار لمفهوم الجودة والحوكمة التربوية، وأسهمت في تثبيت اتجاهات التطوير على أسس مؤسسية أكثر اتزانًا وعمقًا، بما يجعل من تجربتها علامة فارقة في مسار تحديث التعليم وتعزيز قدرته على الاستجابة لمتطلبات المستقبل ، وذلك من خلال عدة قرارات منها ضرورة إعادة بناء مجموعة من السياسات الداعمة التي تتعامل مع المعلم بوصفه رأس مال بشري طويل الأمد داخل النظام، وهو ما يفرض مراجعة شاملة لسياسات الحماية المهنية بما يضمن استدامة العطاء وجودة الأداء في آن واحد، ويأتي في مقدمة ذلك تطوير أنظمة التقاعد بحيث تُصمم باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لمسار مهني طويل يراعي سنوات الخبرة والتأثير التراكمي للمعلم ويحول نهاية الخدمة من لحظة إدارية صامتة إلى انتقال منظم يحفظ الكرامة المهنية والمعيشية.

كما يبرز في السياق ذاته تعزيز منظومة التأمين الصحي للعاملين في الحقل التربوي كامتياز إضافي نظرًا لطبيعة العمل التي تتطلب استمرارية عالية في الجهد الذهني والنفسي والجسدي، وفي الإطار نفسه تكتسب أنظمة المكافآت والحوافز أهمية إعادة التقييم وفق معايير أكثر ارتباطًا بحجم الأثر الفعلي داخل الميدان بحيث تعكس هذه الأنظمة طبيعة الجهد التربوي المركب وتعيد التوازن بين ما يُبذل وما يُقابل به من تقدير مؤسسي.

ويتكامل مع ذلك مفهوم رخصة المعلم بوصفه إطارًا تنظيميًا نوعيًا يعيد ضبط شروط الالتحاق بالمهنة والاستمرار فيها ويربط بين الكفاءة المهنية والمسؤولية التربوية بما يرسخ فكرة أن التعليم هي ممارسة مؤثرة تتطلب تأهيلًا مستمرًا وضوابط واضحة تحفظ جودة المخرجات التعليمية واستقرارها، وتظهر هذه العناصر كاتجاه إصلاحي متدرج يعيد صياغة العلاقة بين المؤسسة التعليمية والعاملين فيها ويؤسس لنموذج أكثر توازنًا بين متطلبات النظام وحقوق من يعملون داخله في سياق يحاول أن يحافظ على المعلم بوصفه محور العملية التعليمية وأحد أهم عناصر استقرارها واستدامتها.

و خلف هذا كله نرى أن المنظومة التعليمية تحت سقف المدرسة ، هي حياة كاملة تتراكم تفاصيلها الصغيرة في صمت وتتشكل فيها القرارات في معركة بين الزمن والواقع معًا، وفي لحظات الامتحان يتكثف المعنى إلى أقصى حد حيث تُغلق احتمالات الالتفاف وتُستعاد العلاقة بين الجهد والنتيجة في صورتها الأكثر صرامة ووضوحًا، ومن هنا يتضح أن ما يُبنى داخل التعليم يتشكل عبر طبقات متراكمة من التنظيم ومن الصبر ومن إعادة ضبط العلاقة بين الإنسان والمعرفة، ومع ذلك يبقى هذا الكيان في حالة تماسك دائم كأن هناك صبرًا غير مرئي يحفظ شكله من التفكك ويمنعه من الانهيار رغم ضغط التفاصيل اليومية.

وكما ذكرت في بداية مقالي ،هناك طبقات زمنية هادئة لا تصنعها الضوضاء ولا تلتقطها لحظات الوهج، يبقى بعض الحضور خفيفًا كأنه لم يمر، ويبقى حضور آخر يتغلغل بصمت في بنية المعنى ويستقر فيها دون حاجة إلى إعلان، ومعالي الدكتورة مديحة الشيبانية الموقرة ، من هذا النوع الذي يُفهم أثره في عمق التحول لا في سطح المشهد، كحضورٍ يعمل في هدوء داخل ما يتكوّن أكثر مما يُرى مما يُقال، وسنظل نفخر بها ونعقد امالنا عليها وكلنا ثقة في ذلك، لتحسين هذه المنظومة ،واستدامتها بما يتلائم مع تطلعات العاملين في الميدان.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights