الإثنين: 25 مايو 2026م - العدد رقم 2926
مقالات صحفية

حين يصبح الانحطاط ترنداً

علي بن مبارك اليعربي

في زمنٍ أصبحت فيه المشاهدات مقياساً للنجاح، وعدد المتابعين بوابةً للشهرة، برزت ظاهرة مقلقة تتمثل في تصاعد المحتوى الهابط وانتشاره بصورة لافتة، حتى غدا بعض ما يخدش الحياء ويضعف الذوق العام مادةً للتداول والإعجاب والتقليد. والأشد خطراً أن هذا الانحدار لا يُقدَّم أحياناً بوصفه سلوكاً ينبغي تقويمه، بل يُسوَّق على أنه جرأة وحداثة وحرية شخصية، بينما يدفع المجتمع – وخصوصاً فئة الناشئة – ثمن هذا الانفلات القيمي والسلوكي.
لقد غيّرت وسائل التواصل الحديثة كثيراً من معايير الشهرة والتأثير، فلم يعد التفوق العلمي أو الإبداع الفكري أو العطاء المجتمعي وحدها أبواب الحضور والنجاح، بل أصبح بعض المحتوى السطحي والمثير والهابط يحصد انتشاراً واسعاً في زمن قصير، لأن خوارزميات المنصات الرقمية كثيراً ما تكافئ الإثارة أكثر مما تكافئ القيمة، وتدفع بما يثير الجدل والغرابة إلى واجهة المشهد، حتى وإن كان ذلك على حساب الأخلاق والوعي والذوق العام.
وما يحزّ في النفس أن بعض صناع المحتوى أدركوا هذه المعادلة، فأصبحوا يتعمدون تقديم كل ما يلفت الانتباه ولو كان منافياً للأدب أو بعيداً عن المسؤولية الاجتماعية، بحثاً عن الشهرة السريعة والعائد المادي، غير مدركين أن التأثير مسؤولية، وأن الكلمة والصورة والسلوك تترك آثاراً بعيدة المدى في عقول الناشئة وسلوك المجتمع.
إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في محتوى عابر فحسب، بل في اعتياد الناس عليه مع كثرة التكرار، حتى يضعف استنكار الخطأ ويتحول غير المقبول إلى أمر مألوف، وتتشوه المعايير تدريجياً، فيصبح صاحب الفكر الرصين أقل حضوراً من صانع الضجيج، ويُقدَّم التافه أحياناً بوصفه قدوة أو نجماً جماهيرياً.
ومن هنا تبرز أهمية الدور التربوي للأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية في بناء الوعي وتعزيز الحصانة الفكرية والقيمية لدى الأبناء، فالتربية الحقيقية لا تقوم على المنع وحده، بل على تنمية القدرة على التمييز بين ما ينفع وما يضر، وبين حرية التعبير والانفلات الأخلاقي.
كما أن الإعلام يتحمل مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة، لأنه ليس مجرد وسيلة نقل أو ترفيه، بل شريك أساسي في تشكيل الوعي المجتمعي وصناعة الذوق العام. والإعلام الحقيقي لا يقود الناس إلى الضجيج، بل يقودهم إلى الوعي، ولا يقيس نجاحه بعدد المشاهدات فقط، بل بحجم الأثر الذي يتركه في أخلاق المجتمع وفكره.
ومن الواجب أيضاً دعم صناع المحتوى الهادف وتشجيع المبادرات الإيجابية التي تقدم المعرفة والقيم بأسلوب عصري جاذب، لأن الساحة إذا خلت من البديل الواعي تمددت فيها التفاهة، واحتلت الفراغ الثقافي والتربوي.
إن المجتمعات الراقية لا تُبنى بالضجيج العابر، بل تُبنى بالوعي والأخلاق واحترام القيم الإنسانية. وقد أثبت التاريخ أن قوة الأمم ليست في كثرة ما تملكه من وسائل التأثير فقط، بل في قدرتها على توظيف هذه الوسائل لصناعة الإنسان الواعي والمسؤول.
وفي النهاية تبقى الحقيقة واضحة: “الأمم لا تنهار حين يعلو صوت الباطل فقط، بل حين يصمت أصحاب القيم ويتركون الساحة فارغة.”

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights