عوالم نبهان النبيلة…

خالد بن سالم الحنشي
في حياتنا يمرّ رجالٌ كظلٍّ عابر، يتركون خلفهم صدى خطواتٍ خافتة تتلاشى مع الوقت، ورجالٌ يولدون ليتركوا فينا أثرًا بسيرةٍ تخلدها الأيام، ومقامًا لا يغيب عن قلوبنا. أولئك لا يعيشون أعمارهم فقط، بل يعيشون في ذاكرة الناس طويلًا بعد الرحيل، كأنهم خُلِقوا ليكونوا حكايةً تُروى، لا لزمنٍ مؤقت، بل لذكرى لا تنطفئ.
وكان نبهان الحنشي من أولئك الذين لا يُقاس حضورهم بطولِ الأعوام، بل بعمقِ الأثر؛ فإذا ذُكر، حضرت المروءة، وإذا غاب، بقيت سيرتُه شاهدةً أنّ بعض الرجال لا يغيبون ما دامت آثارهم حيّةً في القلوب.
لم يكن نبهان سيرةً عادية، بل كان عالمًا من النبل، تشكّل بهدوء وبصمتٍ عميق، ونضج في ميادين الحياة التي لا تُهذّب إلا أصحاب الصبر. كان يؤمن بأن الإنسان خُلق ليحمل رسالة، ولا تُكشف معادن الرجال إلا لمن آمن أن الإنسان خُلق ليترك معنى، لا ليكون مجرّد مرورٍ في زحام الأيام.
حين وقف نبهان الحنشي طفلًا أمام إذاعة المدرسة يُنشد «صوت صفير البلبل»، لم يكن المشهد مجرّد موهبةٍ صغيرة تُصفَّق لها الأيدي، بل كان البذرة الأولى لروحٍ أدركت مبكرًا أن للكلمة أثرًا، وأن للصوت رسالة.
كان ينشد بعفوية الأطفال، لكن خلف تلك البراءة كان قلبٌ يتشكّل على محبة التعبير، وعلى الإيمان بأن الإنسان لا يُعرَف فقط بما يقوله، بل بما يزرعه في أرواح الآخرين من معنى.
كبر نبهان،
لكنّ عمره لم يكن مجرّد أعوامٍ تتراكم، بل تجربةً تُهذّب روحه، ووعيًا يتّسع مع الأيام.
كان ينمو من الداخل أكثر مما يكبر في العمر، فكلُّ موقفٍ يترك فيه أثرًا، وكلُّ مرحلةٍ تضيف إلى شخصيته عمقًا جديدًا، حتى غدا من أولئك الذين تصنعهم الحياة بصبرٍ طويل، لا بضجيجٍ عابر.
وأصبح نبهان كاتبًا وأديبًا، لكنّ الأدب عنده لم يكن ترفًا لغويًا، ولا استعراضًا للعبارة، بل موقفًا إنسانيًا يُؤدَّى بصدق، يحمل الكلمة كما يحمل المؤمن أمانته.
كان يكتب لا ليُلتفت إليه، بل ليُلفت الأنظار إلى ما ينبغي أن يُرى، إلى الإنسان حين تُهان كرامته، وإلى الحقّ حين يضيق عليه الحصار، وإلى القضايا الإنسانية التي ما زالت تنتظر من يُنصفها بصوتٍ نزيه وضميرٍ حيّ.
وكانت القضية الفلسطينية تسكن قلب هذا الوعي،
لا كشعارٍ عابر، ولا كعنوانٍ سياسيّ يُردَّد، بل كجرحٍ إنسانيّ عميق، يوقظ فيه معنى العدالة، ويستفزّ ضميره كلّما رأى حقًّا يُغتصب أو إنسانًا يُترك وحيدًا تحت ثقل الألم.
وقف نبهان مع القضية بالكلمة، كما يقف الصادق مع ذاته، بثباتٍ لا يعرف التردّد، وبقناعةٍ لا تُساوِم على الحقّ.
لأن الإنسان عنده لم يكن رقمًا يُضاف إلى مواقع التواصل الاجتماعي، بل قيمةً تستحقّ أن تُصان، ولم تكن المآسي عنده عناوينَ عابرة، بل قضايا تمسّ الضمير وتستوجب الموقف.
خمسةَ عشرَ عامًا من الغربة،
لم تكن مجرّد زمنٍ يُعدّ بالأيام والسنين، بل رحلةً طويلة من الصبر، ومسافةً خفيّة من التشكّل الداخلي.
بعيدًا عن الأرض الأولى، كان يبني نفسه بصمت، تنضج رؤيته، ويتّسع قلبه، ويزداد التصاقًا بالمعنى الحقي للحياة، حتى غدت الغربة فيه تجربةَ وعيٍ أكثر منها مجرّد ابتعادٍ عن مكان.
غاب نبهان الحنشي عن أرضه، لكنه لم يغب عن روحه. ظلّ الوطنُ يسكنه كما تسكن الجذور أعماق الأرض، لا تُرى، لكنها تمسك بالحياة وتمنحها امتدادها.
ثم عاد،
عاد كما تعود الأرواح إلى أوطانها الأولى، وكأن الغياب لم يكن إلا طريقًا خفيًا صاغه القدر ليجعل لحظة اللقاء أكثر اكتمالًا، وأكثر صدقًا.
وفي عودته، لم يعد شخصًا فحسب، بل عاد محمّلًا بكل ما تراكم في داخله من صبرٍ وتجربةٍ وحنين، كأن السنوات كلها كانت تُعيد تشكيله ليصل في النهاية إلى ذاته الأولى، لكن بوعيٍ أعمق وقلبٍ أكثر اتساعًا.
وهنا، جاء المرض لا كحكاية ضعفٍ، بل كاختبارٍ أخير لصلابة الروح.
تسلّل كضيفٍ ثقيل إلى الجسد، لكنه لم يجد في الداخل ما يُتيح له أن يقترب من الانكسار، فهناك كان الإيمان بالصبر أعمق من الألم، وكانت الإرادة أرسخ من العارض، كأن الجسد يتعب، لكن المعنى لا ينهار.
لم يكن نبهان الحنشي في مواجهة المرض أسيرَ ضعفٍ، بل كان ثابتًا على سكينةٍ عميقة، كأن الجسد يمرّ بامتحانه، بينما الروح واقفةٌ في مكانها لا تهتز. هادئًا، مستندًا إلى يقينٍ عميق بأن الألم ليس نهاية الحكاية، بل أحد أبعاد معناها.
ظهر المرض كضيفٍ ثقيل، لكنه لم ينل من عزيمته، ولم يجد في روحه منفذًا إلى الانكسار.
ورغم وطأة الجسد، ظلّ شامخًا، كأن الألم لم يُخلق ليُضعفه، بل ليكشف عن معدنٍ أعمق فيه، وعن يقينٍ يتجاوز حدود التعب.
كان الألم يمرّ عليه، وهو يمرّ فوق الألم.
وكان الوجع يحاول أن يُثقله، فيرتقي عليه بصبرٍ لا يُقال، لكنه يُرى في السكينة التي لا تفارقه، وفي الإيمان الذي يسبق ملامحه إلى الطمأنينة.
حتى في أشد لحظاته، لم يفقد ذلك الصفاء الذي عُرف به، ولا تلك السكينة التي كانت تُضيء حضوره، وكأن روحه، رغم ما يعتري الجسد، كانت تُطمئن من حوله قبل أن تطمئن نفسها.
كانت عودته مشهدًا إنسانيًا خالصًا، لا تُحيط به الكلمات بقدر ما تُترجمه الدموع،
استُقبل بالدموع، وحُفّ بالدموع، بين ذويه وأهله، في لحظةٍ تختصر الحبّ كلّه، والوجع كلّه، والانتماء كلّه.
ولم تكن هذه العودة وليدة الصدفة، بل كانت ثمرة جهودٍ إنسانية صادقة، تضافرت فيها بتوجيهات من الجهات المختصة في سلطنة عُمان، التي جسّدت بأفعالها معنى المسؤولية الوطنية، وأثبتت أن العمل حين يُبنى على القيم، يتحوّل إلى أثرٍ باقٍ لا يُنسى، وإلى إنسانيةٍ تُروى قبل أن تُكتب.
كما يظلّ الامتنان موصولًا إلى المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – الذي تمتدّ رعايته الكريمة لتشمل أبناء هذا الوطن في أدقّ تفاصيل إنسانيّتهم، لتبقى سلطنة عُمان كما عهدها أبناؤها، حضنًا لا يضيق، ووفاءً لا ينقطع، وإنسانيةً تُترجم في المواقف قبل الكلمات.
لقد كانت عودة نبهان،
أكثر من انتقال جسدٍ إلى أرض،
كانت عودة معنى إلى حضنه،
وشهادةً حيّة على أن الأوطان العظيمة لا تتخلّى عن أبنائها، حتى في أكثر اللحظات هشاشةً وإنهاكًا.
واليوم،
قد يغيب عن الأعين، لكن حضوره لا يغيب عن ذواتِنا،
يبقى في حبر كلماته نبضًا حيًّا،
وفي مواقفه النبيلة التي لم تكن عابرة، بل امتدادًا لقيمٍ آمن بها وعاش من أجلها،
وفي كل إنسانٍ لمس أثره، أو وجد في صوته ما يشبه صوته الداخلي.
إن بعض الرحيل، لا يكون غيابًا،
بل تحوّلًا إلى حضورٍ آخر، أعمق وأبقى.
وهكذا كان نبهان،
رحل، ليبقى.
رحم الله نبهان الحنشي،
وجعل ما قدّمه من أثرٍ نبيل نورًا يتردّد في ذاكرة الأيام، وشاهدًا على أن الأرواح الصادقة لا تُمحى، بل تُخلَّد في وجدان الحياة.



