حين تتلاشى الأكتاف

صالح بن سعيد الحمداني
يمضي الإنسان في حياته بين محطات متعبة وتجارب تترك أثرها العميق في القلب، وفي تلك اللحظات تحديدًا يبحث عن شخص يخفف عنه وطأة الأيام، وعن كلمة تمنحه بعض الطمأنينة، وعن حضور يشعره أن الطريق ما زال ممكنًا مهما اشتد التعب، فالإنسان حين يرهقه الحزن يحتاج إلى من يربت على روحه قبل أي شيء آخر، لكن مع مرور الوقت يكتشف كثيرون أن الوجوه التي كانت قريبة في أوقات الراحة تتوارى عند اشتداد الأزمات، وأن بعض الأكتاف التي بدت يومًا سندًا تصبح أبعد ما تكون عندما تزداد الحاجة إليها، قد يترك هذا الأمر وجعًا داخليًا وشعورًا قاسيًا بالخذلان، لكنه في المقابل يكشف حقيقة كبيرة؛ فالسند الأعمق يبقى في القرب من الله والاعتماد عليه في كل الأحوال، والحياة مليئة بالتقلبات، والابتلاء يأتي دون موعد، وفي الشدائد تظهر حقيقة الناس بوضوح.
هناك من يبقى حاضرًا رغم كل الظروف، وهناك من ينسحب عندما تصبح المسؤولية ثقيلة أو حين تتطلب المواقف تضحية صادقة، ومن خلال هذه التجارب يتعلم الإنسان كيف يميز بين علاقة تنبع من الوفاء، وأخرى تحركها المصالح العابرة والمجاملات المؤقتة، لذلك يبقى الشخص الذي يقف إلى جانبك وقت الضيق صاحب مكانة مختلفة، لأن المواقف الصعبة تكشف صدق القلوب أكثر من الكلمات، كما تمنح المحن الإنسان فرصة لاكتشاف قوته الداخلية.
فالاعتماد الكامل على الآخرين قد يقود إلى صدمات مؤلمة، بينما يمنح التعلق بالله ثم الثقة بالنفس شعورًا أعمق بالثبات، وكلما ازداد يقين الإنسان بالله شعر أن الفرج أقرب مما يتخيل، وأن الرحمة الإلهية تحيطه حتى في أكثر اللحظات قسوة، وهذا اليقين يزرع في النفس سكينة تساعدها على الصبر ومواصلة الطريق بثبات، والتوكل على الله يمنح الروح طمأنينة حقيقية، فعندما يشعر الإنسان أن الجميع ابتعدوا عنه أو أن الأبواب أغلقت أمامه، يدرك أن قربه من الله يمنحه قوة لا يستطيع أحد أن يسلبها منه، والتوكل الصادق يعني أن يسعى الإنسان ويجتهد ويبذل ما بوسعه، مع إيمانه بأن النتائج كلها بيد الله.
لذلك يعمل المؤمن ويخطط ويواجه الحياة بعزيمة، وفي داخله يقين أن التيسير والفرج والنجاح تأتي من عند الله وحده، وقد شهدت الحياة نماذج كثيرة لأشخاص عاشوا الوحدة وضعف الدعم، ثم تمكنوا من صناعة نجاحهم بالإصرار والثقة بالله، كم من طالب بدأ طريقه وسط الإحباط وقلة التشجيع، ثم استطاع بالمثابرة أن يحقق التفوق ويصبح مصدر إلهام لغيره.
وكم من إنسان واجه صعوبات قاسية في عمله دون من يسانده، ثم واصل طريقه حتى أثبت قدرته وحقق ما كان يطمح إليه، هذه المواقف تؤكد أن الإنسان يمتلك طاقات كبيرة، وغالبًا ما يكتشفها في أصعب اللحظات، ولكي يحول الإنسان هذه التجارب إلى قوة حقيقية، يحتاج إلى تقبل فكرة أن الابتلاء جزء من طبيعة الحياة، وأن العلاقات تتبدل مع الظروف، كما أن تقوية الصلة بالله عبر الدعاء والصلاة والذكر تمنح القلب راحة وقدرة أكبر على الاحتمال، ومن المهم أيضًا أن يبني الإنسان استقلاله النفسي والعاطفي، حتى يعيش بتوازن دون تعلق مرهق بالآخرين، وفي المقابل يبقى من الجميل تقدير الأشخاص الصادقين الذين يحضرون وقت الشدة، لأن وجودهم نعمة تستحق الامتنان.
وحين يشعر الإنسان أن الأكتاف من حوله بدأت تخف فقد تكون تلك اللحظة بداية لاكتشاف نفسه بصورة أعمق، وفرصة ليعيد ترتيب علاقته بالله وبالحياة من جديد، فالسند الحقيقي لا يقوم فقط على وجود البشر، بل على الإيمان بأن الله قادر على جبر الخواطر وتخفيف الأوجاع مهما اشتدت، ومن يصل إلى هذا الإدراك يعيش بقلب أكثر هدوءًا، ونفس أكثر نضجًا، ويصبح أقل اهتزازًا أمام تغير الناس وتقلب المواقف، وفي عالم سريع التبدل تبقى العلاقة بالله الثابت الأجمل، والمصدر الذي يمنح الإنسان القوة والأمان والقدرة على الاستمرار مهما تعاقبت المحن.


