سيدات الغيم وسحائب الخير
الكاتبة: سالمة هلال الراسبي – باحثة تربوية أولى – قسم التوعية والإرشاد الطلابي – جنوب الشرقية
في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات كما تتكاثر انعكاسات الضوء على سطح ماءٍ مضطرب، يصبح المعنى نفسه عرضةً للتشوش، ويغدو الإنسان أقرب إلى صورةٍ تُلتقط منه إلى حقيقةٍ تُفهم فيه، ليطرح سؤالًا أخلاقيًّا عميقًا: هل ما نراه هو ما يبقى، أم أن ما يبقى هو ما لا تراه العين أصلًا؟
وللإجابة على هذا التساؤل، يجب أن نفهم طبيعة الاضطراب في الوعي البشري، الذي تسببه وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتقاطع فيه حساسية تشيخوف مع قلق دوستويفسكي وهدوء بوشكين ونظرة غوغول الساخرة للزيف الاجتماعي، فتتشكل الحياة بوصفها طبقات من المعنى، طبقة تُرى، وطبقات تُحَسّ ولا تُقال، وكلما ازداد الضجيج في الأعلى، ازداد الصمت في العمق كثافةً ودلالة عن عدم الرضا المجتمعي، وباتت تُقاس القيمة بعدد المتابعين، ويُصنع “النجاح” أحيانًا من ضجيجٍ أكثر مما يُصنع من أثر، حينها فقط تتبدّل معايير الظهور، ويتراجع المعنى الحقيقي لخدمة المجتمع أمام واجهة رقمية، تشبه بالونًا منفوخًا سينفجر في أي وقت، وضوضاء رقمية لا تُشبه الضوء في طبيعته ولا يحمل دفئه ولا عمقه، ولا معناه الحقيقي.
وهنا تقف الحروف صامتة متأملة، لنعرج إلى تجربة اقتصادية انطلقت من ولاية صور العريقة إلى العالم، لم تنفصل عن سياقها الإنساني الأوسع وسط ذلك الضجيج الرقمي المتنامي، لتصبح أنموذجًا تاريخيًّا للنشاط التجاري والبحري، بين عُمان والهند وشرق أفريقيا، ارتبطت “عائلة الشيخ بهوان” بمسارٍ طويل من بناء القطاع الخاص، وتشكّلت عبره أحد ملامح الاقتصاد الوطني الحديث، ذلك الامتداد الإنساني الذي يعمل في العمق، كجذرٍ يحفظ توازن الشجرة دون أن يُرى، وما يميز هذه التجربة غير حجمها وأثرها، هو ارتباطها بفكرة أعمق، صاغها بوضوح النهج التنموي في عهد السلطان قابوس بن سعيد، رحمه الله، حين جرى بناء الدولة الحديثة على أساس أن الإنسان أولًا، وأن القطاع الخاص شريك في صناعة المجتمع لا مجرد مستفيد من نموه.
لقد وفر هذا النهج السلطاني المستمر إلى يومنا هذا إطارًا متوازنًا جعل من العمل الاقتصادي جزءًا من مشروع وطني شامل، حيث تُمنح الفرص، وتُبنى المؤسسات، وتُفتح مسارات الاستثمار ضمن رؤية تربط بين الاستقرار والتنمية والإنسان، ومن هذا المناخ الدافئ، والثقة المتبادلة، نشأت نماذج اقتصادية واجتماعية وخيرية ربطت بين النجاح وبين المسؤولية المجتمعية.
ومن تلك الشجرة العميقة الجذور نجد “الشيخات” بنات بهوان – حفظهن الله – بوصفهن رموزًا نسائية، منحن العطاء معنًى، وأثرًا قائمًا في حياة الناس يُدار بروح المسؤولية الوطنية والإنسانية، يواسي المريض، يخفف عن البائس ثقل الحزن، ويعزز المعطي ليكمل مسيرته، ويقدر المجتهد البار بمجتمعه، فرص تُفتح هنا، وحاجة تُسدّ هناك، حياة تستعيد توازنها دون ضوءٍ مسلط، وكأنه إجابة مختصرة لسؤال الأديب الروسي دوستويفسكي حين قال: ماذا يفعل الإنسان حين لا يراه أحد؟
ومن هنا جاءت الصورة التي يمكنني أن أختصر معناها بدقة رمزية “سيدات الغيم وسحائب الخير”
لأن أثرهن يشبه الغيم حين يمرّ على أرضٍ متعبة، بهدوء ولا ضجيج، ليترك خلفه حياةً أكثر اخضرارًا، سحائب تُدرك في أثرها، حين تُنبت الإحسان في أرضٍ متعبة كانت تنتظر بصبر.
وهذا المعنى لا ينفصل عن روح الأدب الروسي في أواخر القرن التاسع عشر، في التقاط التفاصيل الإنسانية الصغيرة؛ فأنطوان تشيخوف يرى القيمة في ما يبدو عابرًا، وغوغول يكشف المفارقة بين الظاهر المجتمعي والمخفي الذي يبقى في الذاكرة.
وفي مقابل ثقافة السوشيال ميديا التي تُكثّف الحضور وتُفرّغ المعنى أحيانًا من عمقه، تتقدم في الوعي العُماني فكرة أكثر هدوءًا: أن الإنسان العُماني بطبيعته يميل إلى العمق، وإلى الوعي الهادئ، وعيٌ تشكّل عبر التاريخ، وكتبه الزمن بين سطوره، ليثبت نظرية “الغياب الإيجابي” وهو أن يكون الأثر الحقيقي أكثر وضوحًا وصدقًا وعمقًا، وهنا تتشكل المفارقة التي يلتقطها الإنسان أكثر مما يلتقطها الخطاب وضجيج العالم.
وفي النهاية، حين تهدأ اللغة، وتغيب الأضواء، ويسود الفضاء فراغًا باهتًا، يبقى معيار واحد ثابت لا يتغير، وهو أن القيمة في ما يبقى في حياة الإنسان بعد أن يمرّ الفعل بصمت، وهو جواب للسؤال في أول المقالة، هل ما نراه هو ما يبقى، أم أن ما يبقى هو ما لا تراه العين أصلًا؟


