السبت: 09 مايو 2026م - العدد رقم 2910
مقالات صحفية

ما لا تقوله الوجوه

د. طالب بن خليفة الهطالي
في الأزمنة التي كانت الأرواح فيها أكثر صفاء كان الإنسان يعرف بما يحمله في داخله لا بما يجيده من إخفائه، وكانت العلاقات أبسط من أن تبنى على هذا القدر الكبير من الحذر والتكلف، لذلك لم تكن الوجوه مثقلة بكل هذه الأقنعة التي أرهقت الإنسان لاحقا وأبعدته بالتدريج عن صورته الأولى، لأن الناس يومها كانوا أكثر ميلا إلى العفوية وأقل حاجة إلى ذلك التلون الذي يتقنه كثيرون اليوم وهم يظنون أن النجاة لا تتحقق إلا عبر الوجوه التي ترضي الجميع، أما الآن فقد طال الضجيج حتى غدت الحقيقة تمضي بصوت خافت بين هذا الزحام، وأصبح كثير من الناس أكثر انشغالا بالصورة التي يحرصون على تقديمها للآخرين من انشغالهم بما يتآكل بصمت في أعماقهم، حتى بدا الإنسان المعاصر وكأنه يعيش صراعا مرهقا بين ما يشعر به حقا وبين ما يضطر إلى إظهاره كي يحظى بالقبول، ومع طول هذا التصنع لم يعد التعب ناتجا عن قسوة الحياة وحدها بقدر ما أصبح ناتجا عن ذلك الاستنزاف الخفي الذي يصيب الروح كلما ابتعد الإنسان عن حقيقته خطوة أخرى، حتى بات كثير من الناس يعيشون أعمارا كاملة وهم يعتنون بما يبدو منهم أكثر مما يعتنون بما تبقى في داخلهم من صدق وطمأنينة.

وفي خضم هذا كله تمضي الأرواح الصادقة بعفويتها في عالم لا يشبهها تماما، فهي لا تعرف كيف ترتدي الوجوه ولا كيف تقول ما لا تؤمن به لتنال القبول، ولهذا تبدو أكثر تعبا من غيرها، لا لأن الصدق ضعف بل لأن البقاء نقيا وسط هذا الاضطراب يستنزف القلب بصمت، فكلما ازداد الإنسان صدقا صار أكثر حساسية تجاه الزيف وأكثر إرهاقا من العلاقات التي تجبره على أن يخفي حقيقته كي يعبر بسلام بين الناس، ولذلك تشعر بعض الأرواح بأنها غريبة كلما ازدحم العالم بالأقنعة، لأنها لم تتعلم أن تنجو على حساب نفسها ولم تعتد أن تبدل ملامحها كلما تبدل الجمع، فهي تمضي في الحياة بوجه واحد وقلب واحد حتى وإن كلفها ذلك شيئا من الخذلان والوحدة، ومع مرور الوقت لا يعود هذا التعب صاخبا كما كان في البداية بل يتحول إلى صمت طويل تمضي معه الروح وفي داخلها جبال من صمت وانكسار، بعدما أدركت أن كثيرا من الكلام لا يغير شيئا وأن بعض الحقائق لا تكشفها المواجهة بقدر ما يكشفها الصمت حين يصبح أصدق من الكلام نفسه.
وربما لهذا لم يكن الصادقون أكثر الناس حضورا، لأن الإنسان حين يعيش بوجه واحد لا يملك رفاهية الهروب من نفسه، ولأن الذين يختارون الوضوح طريقا يدفعون غالبا ثمنا لا يراه أحد، فهم أكثر شعورا بثقل الحياة لأنهم يعيشونها بقلوب مكشوفة لا تتقن الاحتماء بالأقنعة، ولذلك تبدو خيباتهم أعمق وصمتهم أطول، فهم لا يُرهقون من قسوة العالم وحدها بقدر ما يُرهقهم اضطرارهم المستمر لأن يبقوا أوفياء لما يؤمنون به وسط عالم يتغير بسرعة لا ترحم، فكما قيل: “لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه”، فالأرواح التي اختارت الصدق لا تعيش الحياة بسهولة لكنها تعيشها بوجه يشبهها وقلب لا يضطر كل يوم إلى التلون كي ينجو، ومع ذلك يبقى في داخلها يقين هادئ بأن الزيف مهما لمع يظل هشا وأن ما يُبنى على الحقيقة وحدها هو ما يبقى حين يخفت هذا الضجيج كله.

هناك أرواح لا تُجيد التلون ولذلك تبدو متعبة أكثر من غيرها، فهي لا تعرف كيف ترتدي الأقنعة ولا كيف تقول ما لا تؤمن به لتنجو بين الناس، ولهذا تصطدم كثيرا بعالم ضاع فيه الصدق حتى بدا الزيف فيه أكثر قبولا من الحقيقة، فتبقى رغم كل شيء على هيئة واحدة لا تنحني كلما مالت الريح، لأن الصدق فيها ليس موقفا عابرا يمكن تبديله كلما تغيرت الظروف بل هيئة روح يصعب عليها أن تعيش بغير ما تشعر به حقا، ولذلك تبدو أكثر حساسية تجاه الخداع وأكثر إرهاقا من العلاقات التي تستهلك الإنسان كلما اضطر إلى إخفاء ملامحه الحقيقية كي يحظى بالقبول، وربما لهذا تشعر بعض الأرواح بغربة لا يراها أحد، غربة تنشأ من ذلك التناقض الطويل بين ما تؤمن به وما يفرضه عليها عالم اعتاد أن يكافئ الوجوه المتبدّلة أكثر مما يكافئ الصدق، وقد أشار مصطفى صادق الرافعي إلى معنى قريب حين قال: “إن في النفس شيئا لا يشيخ إلا إذا شاخت الروح نفسها.”

ومع مرور الوقت لا يعود التعب صاخبا كما كان في البداية، بل يتحول إلى صمت طويل تمضي معه بعض الأرواح وفي داخلها جبال من صمت وانكسار، لا لأنها فقدت قدرتها على الكلام بل لأنها أدركت أن كثيرا من المعارك لا تُحسم بكثرة التبرير، وأن بعض الفهم لا يُولد مهما أطال الإنسان شرح نفسه، ولهذا تتغير علاقتها بالكلمات شيئا فشيئا، فتميل إلى الصمت لا هروبا من المواجهة بل لأنها تعلمت أن الوعي العميق يجعل الإنسان أكثر ميلا إلى التأمل وأقل رغبة في الضجيج، حتى يُصبح الصمت عندها أشبه بمسافة تحتمي بها الروح من الاستنزاف المستمر.

وربما لهذا أيضا يبدو بعض الصادقين أكثر ميلا إلى العزلة، لا لأنهم يكرهون الناس، بل لأنهم تعبوا من العلاقات التي تستهلك الإنسان دون أن تمنحه طمأنينة حقيقية، فهم يدركون مع الوقت أن كثرة الوجوه لا تعني دائما وجود القلوب، وأن الإنسان قد يشعر بوحدة قاسية وسط أكثر الأماكن ازدحاما، لأن أكثر ما يرهق الروح الواعية ليس قلة البشر حولها، بل ندرة الذين يشبهونها صدقا، وقد قال أبو الطيب المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله:: وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.

وليس أثقل على الروح من أن تمضي في عالم يطلب منها كل يوم أن تبرر اختلافها، لذلك تختار بعض الأرواح أن تعبر الحياة بهدوء محتفظة بما تبقى في داخلها من نقاء ولو كلفها ذلك شيئا من الغربة، لأنها تدرك مع الوقت أن الإنسان كلما بالغ في إرضاء الآخرين ابتعد بالتدريج عن صورته الحقيقية، فقد قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: “لا خير في صحبة لا ترى منك إلا ما يرضيها”، فالعلاقات التي تقوم على التنازل المستمر لا تمنح الروح طمأنينة حقيقية لأنها تجعل الإنسان يعيش منشغلا بما يطلبه منه الآخرون أكثر من انشغاله بما يبقيه صادقا مع نفسه، ولهذا تفضل بعض الأرواح وحدة تحفظ لها كرامتها على اندماج يكلفها خسارة ملامحها الداخلية، فهي لا تبحث عن العزلة بقدر ما تبحث عن مساحة تستطيع فيها أن تبقى كما هي دون حاجة دائمة إلى التبرير أو التشكل وفقا لما يرضي الجميع.

وربما لهذا أيضا لا يكون أصحاب المبادئ أكثر الناس حضورا، لأن العالم يلتفت غالبا إلى ما يلفت النظر بسرعة أكثر مما يلتفت إلى ما يبقى عميقا وثابتا، ومع ذلك يبقى لبعض البشر أثر لا تصنعه الضوضاء بل تصنعه الطمأنينة التي يتركونها في القلوب دون تكلف، قال عباس محمود العقاد: ” ليس العظيم من يشعر الناس بعظمته بل العظيم من يشعر الناس بقيمتهم في حضرته”، ولهذا تبقى الأرواح الصادقة أقرب إلى الذاكرة، لأنها لا تحاول أن تفرض حضورها بالقوة ولا أن تبدو أكبر مما هي عليه، بل تمنح من يقترب منها شعورا نادرا بالأمان، كأن الإنسان حين يبتعد قليلا عن التصنع يستعيد شيئا من بساطته الأولى التي أنهكها هذا العالم الطويل.

فالإنسان لا ينتصر حقا بكثرة ما يملك ولا بعدد الذين يصفقون له، لأن الأشياء التي تقوم على الانبهار السريع تخفت سريعا مهما بدت لامعة في البداية، أما ما يبقى فغالبا لا يصنعه الضجيج بل تصنعه تلك القدرة النادرة على أن يحافظ الإنسان على حقيقته وسط عالم يدفعه كل يوم إلى التشكل بصورة لا تشبهه، فالأيام كفيلة بأن تكشف هشاشة كل ما بني على الزيف وأن تترك الحقيقة واقفة ولو تأخر ظهورها، ولهذا لا يكون الأثر الأعمق لأولئك الذين مروا من الحياة بأصوات أعلى، بل لأولئك الذين عبروها بقلوب لم تفقد صدقها وهي تحاول النجاة، أولئك الذين أدركوا أن المجد الحقيقي لا يولد من كثرة الظهور بل من القدرة على البقاء صامد الجذور مهما تبدلت الوجوه وتغيرت المواقف.

ولعل أكثر ما يرهق الإنسان ليس قسوة الأيام وحدها، بل ذلك الصراع بين ما يشعر به في داخله وما يضطر إلى إظهاره كي ينسجم مع عالم لا يمنح المختلفين دائما مساحة ليكونوا على حقيقتهم، ولهذا يصبح الثبات أحيانا شجاعة صامتة ويغدو الحفاظ على نقاء الروح معركة خفية تستنزف القلب ببطء، ومع ذلك تبقى هناك أرواح تشبه الجذور العميقة لا تقتلعها الرياح مهما اشتدت لأنها أدركت أن الإنسان قد يربح العالم ثم يخسر نفسه دون أن يشعر، ولذلك لم تبن قيمتها على التصفيق العابر بل على ذلك السلام الداخلي الذي يمنحها القدرة على النظر إلى نفسها دون خجل أو تصنع، وقد قال جبران خليل جبران: “إنما الناس سطور كتبت بماء، أما أنت فاكتب نفسك بماء النور”، ولهذا لا يترك الأثر الحقيقي أصحاب الأصوات الأعلى بل أولئك الذين عبروا الحياة بقلوب لم تعرف التلون ومضوا يحملون في داخلهم جبالا من صمت وانكسار دون أن يسمحوا لهذا العالم أن ينتزع منهم حقيقتهم، لأن النجاة لم تكن يوما في أن يشبه الإنسان الجميع بل في ألا يفقد نفسه بينهم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights