مقالات صحفية

ذكرياتٌ تراودني ..

   عائشة بنت سالم الفارسية 

قد تكون ما هي إلا ذكريات فقط ولكنها جروحٌ في الصدر تنزف إذا لامسها شيءٌ ما، وقد تكون بارودًا ينتظر ضغطةً بسيطةً على الزناد، ويمكننا تشبيهها بأي مادةٍ متفجرةٍ تنفجر لمجرد المرور بجانبها، كلما تذكرنا يتجدد في داخلنا ألفُ جرحٍ وشوق، وخاصةً إذا كانت هذه الذكريات تخص الوالدين وقد غادرا الحياة، ولم يبقَ منهما إلا هذه اللحظات المخزنة في عقولنا.

هنا الذكريات تتعب القلب وتبكيه من الألم، ويصعب نسيان ما كانا يعملانه لنا، أماكن جلوسهما، وطريقة كلامهما، وكيفية معاملتهما لنا، ومعاملتنا لهما، وأشياء كثيرة نحاول بكل الطرق أن نخزنها، ولا نقترب من ناحيتها لكي لا يزيد شوقنا لهما، ونبتعد عن المواقف التي تعيدنا لتلك الذكريات.

اليوم كنتُ في أحد المستشفيات، ومرَّ بجانبي شابٌّ يمسك بوالده الذي بالكاد ينقل رجله ويضع الأخرى، وهو ممسكٌ به لكي لا يقع، وفي نفس الوقت لا يريد أن يُحرج والده ويحضر له كرسيًا، لأن والده هو من يريد ويحاول أن يصل إلى هدفه بدون كرسي، ولأنه لا يريد أن يُثقل على أحد.

 مرت ببالي ذكرياتٌ كانت خاملةً في الخاطر، متواريةً عن الحنين، ولكن هذا الموقف أعادها من جديد، رجعت وأحضرت كل الذكريات التي خلفها.

هكذا كان والدي، لا يريد أن يثقل على أحد، يحاول أن يقوم بكل ما يقدر عليه، ودائمًا نحاول مساعدته فيأبى، وأغلب كبار السن يرفضون أن يظهروا بمظهر الضعف، وذلك لما لهم من عزة نفس وكبرياء، يريدون أن يظلوا بقوتهم أمام الجميع، نعم رجعتُ كم سنةٍ للخلف بهذا الموقف، واسترجعت قوة أبي وإصراره على الوقوف رغم تعبه، وأمي تُصر على المشي رغم ضعفها، ذكريات الوالدين لا تمحى ولا تُنسى، تظل تنتظر أي موقفٍ يُرجعها، وتبدأ حكاية الحنين، مع كل موقف، أو صوت، أو نظرة، نعم حتى النظرة قد تعيد لنا ما كان،

فنظرة الأم بحنانها ولهفتها، ونظرة الأب التي تدل على العطف والدلال، لا تُنسى، بل تظل في القلب كبصمةٍ يصعب على السنين محوها، وأسأل الكريم الغفار أن يغفر لوالدينا ووالديكم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights